المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الأول
266 - مَسْأَلَةٌ :
وَأَقَلُّ الْحَيْضِ دَفْعَةً ، فَإِذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ الدَّمَ الْأَسْوَدَ مِنْ فَرْجِهَا أَمْسَكَتْ عَنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَحَرُمَ وَطْؤُهَا عَلَى بَعْلِهَا وَسَيِّدِهَا ، فَإِنْ رَأَتْ أَثَرَ الدَّمِ الْأَحْمَرِ أَوْ كَغُسَالَةِ اللَّحْمِ أَوْ الصُّفْرَةَ أَوْ الْكُدْرَةَ أَوْ الْبَيَاضَ أَوْ الْجُفُوفَ التَّامَّ - فَقَدْ طَهُرَتْ وَتَغْتَسِلُ أَوْ تَتَيَمَّمُ إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ التَّيَمُّمِ ، وَتُصَلِّي وَتَصُومُ وَيَأْتِيهَا بَعْلُهَا أَوْ سَيِّدُهَا ، وَهَكَذَا أَبَدًا مَتَى رَأَتْ الدَّمَ الْأَسْوَدَ فَهُوَ حَيْضٌ ، وَمَتَى رَأَتْ غَيْرَهُ فَهُوَ طُهْرٌ ، وَتَعْتَدُّ بِذَلِكَ مِنْ الطَّلَاقِ ، فَإِنْ تَمَادَى الْأَسْوَدُ فَهُوَ حَيْضٌ إلَى تَمَامِ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِنْ زَادَ مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَلَيْسَ حَيْضًا ، وَنَذْكُرُ حُكْمَ ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُرُودِ النَّصِّ بِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ ، وَمَا عَدَاهُ لَيْسَ حَيْضًا ، وَلَمْ يَخُصَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِذَلِكَ عَدَدَ أَوْقَاتٍ مِنْ عَدَدٍ ، بَلْ أَوْجَبَ بِرُؤْيَتِهِ أَنْ لَا تُصَلِّيَ وَلَا تَصُومَ ، وَحَرَّمَ تَعَالَى نِكَاحَهُنَّ فِيهِ ، وَأَمَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ إدْبَارِهِ وَالصَّوْمَ ، وَأَبَاحَ تَعَالَى الْوَطْءَ عِنْدَ الطُّهْرِ مِنْهُ ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ بِذَلِكَ ، وَمَا دَامَ يُوجَدُ الْحَيْضُ فَلَهُ حُكْمُهُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ، حَتَّى يَأْتِيَ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ حَيْضًا ، وَلَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ فِي أَقَلِّ مِنْ سَبْعَةَ عَشْرَ يَوْمًا ، فَمَا صَحَّ الْإِجْمَاعُ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ حَيْضًا وُقِفَ عِنْدَهُ ، وَانْتَقَلَتْ عَنْ حُكْمِ الْحَائِضِ وَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَمَرْدُودٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَعَلَ لِلدَّمِ الْأَسْوَدِ حُكْمَ الْحَيْضِ ، فَهُوَ حَيْضٌ مَانِعٌ مِمَّا ذَكَرْنَا ، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الطُّهْرِ الْمُبِيحِ لِلصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ لَا يَكُونُ قُرْءًا فِي الْعِدَّةِ ، فَالْمُفَرِّقُ بَيْنَ ذَلِكَ مُخْطِئٌ مُتَيَقِّنٌ الْخَطَأِ ، قَائِلٌ مَا لَا قُرْآنَ جَاءَ بِهِ وَلَا سُنَّةَ ، لَا صَحِيحَةً وَلَا سَقِيمَةً ، وَلَا قِيَاسَ وَلَا إجْمَاعَ ، بَلْ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ كِلَاهُمَا يُوجِبُ مَا قُلْنَا : مِنْ امْتِنَاعِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بِالْحَيْضِ ، وَوُجُودِهِمَا بِعَدَمِ الْحَيْضِ ، وَوُجُودِ الطُّهْرِ وَكَوْنِ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ قُرْءًا يُحْتَسَبُ بِهِ فِي الْعِدَّةِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } فَمَنْ حَدَّ فِي أَيَّامِ الْقُرْءِ حَدًّا فَهُوَ مُبْطِلٌ ، وَقَافٍ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ ، وَمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ .
وَفِي هَذَا خِلَافٌ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ : أَحَدُهَا أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَيْضِ ، وَالثَّانِي أَكْثَرُ مُدَّةِ 406 الْحَيْضِ ، وَالثَّالِثُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِدَّةِ فِي ذَلِكَ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ، فَأَمَّا أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَيْضِ فَإِنَّ طَائِفَةً قَالَتْ : أَقَلُّ الْحَيْضِ دَفْعَةٌ تُتْرَكُ لَهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَيَحْرُمُ الْوَطْءُ وَأَمَّا فِي الْعِدَّةِ فَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ : أَقَلُّهُ فِي الْعِدَّةِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : أَقَلُّ الْحَيْضِ دَفْعَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْوَطْءِ وَالْعِدَّةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَدَاوُد وَأَصْحَابِهِ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، فَإِنْ انْقَطَعَ قَبْلَ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ وَلَيْسَ حَيْضًا وَلَا تُتْرَكُ لَهُ صَلَاةٌ وَلَا صَوْمٌ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَسُفْيَانَ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : حَيْضُ النِّسَاءِ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ ، وَهُوَ قَوْلٌ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ .
قَالَ عَلِيٌّ : أَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ وَبَيْنَ الْعِدَّةِ ، فَقَوْلٌ ظَاهِرُ الْخَطَأِ ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً أَصْلًا ، لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا مِنْ قِيَاسٍ وَلَا مِنْ احْتِيَاطٍ وَلَا مِنْ رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ ، فَوَجَبَ تَرْكُهُ .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ : حَيْضُ النِّسَاءِ يَدُورُ عَلَى سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ ، فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ حُجَّةً إلَّا أَنْ قَالُوا : هَذَا هُوَ الْمَعْهُودُ فِي النِّسَاءِ ، وَذَكَرُوا حَدِيثًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ { عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أَنَّهَا اُسْتُحِيضَتْ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَلَ حَيْضَتِهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً } .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ زَكَرِيَّا بْنَ عَدِيٍّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الرَّقِّيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : تَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً فِي عِلْمِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ثُمَّ اغْتَسِلِي ، فَإِذَا اسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ وَأَيَّامَهَا وَصُومِي كَذَلِكَ ، وَافْعَلِي فِي كُلِّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ } .
وَقَدْ أَخَذَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبُو عُبَيْدٍ فَجَعَلَ هَذَا حُكْمَ الْمُبْتَدَأَةَ . 407
قَالَ عَلِيٌّ : أَمَّا هَذَانِ الْخَبَرَانِ فَلَا يَصِحَّانِ ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَإِنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ .
كَذَلِكَ حَدَّثَنَاهُ حَمَامٌ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ أَيْمَنَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِيهِ - وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : حَدَّثْتُ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ ، قَالَ أَحْمَدُ : وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ قَالَ أَحْمَدُ : وَالنُّعْمَانُ يُعْرَفُ فِيهِ الضَّعْفُ .
وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا شَرِيكٌ وَزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ .
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَأَيْضًا فَعُمَرُ بْنُ طَلْحَةَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، لَا يُعْرَفُ لِطَلْحَةَ ابْنٌ اسْمُهُ عُمَرُ .
وَأَمَّا الْآخَرُ فَمِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ ، وَقَدْ تُرِكَ حَدِيثُهُ فَسَقَطَ الْخَبَرُ جُمْلَةً .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ هَذَا هُوَ الْمَعْهُودُ مِنْ حَيْضِ النِّسَاءِ فَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ مُرَاعَاةَ ذَلِكَ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ ، وَقَدْ يُوجَدُ فِي النِّسَاءِ مَنْ لَا تَحِيضُ أَصْلًا فَلَا يُجْعَلُ لَهَا حُكْمُ الْحَيْضِ ، فَبَطَلَ حَمْلُهُنَّ عَلَى الْمَعْهُودِ ، وَقَدْ يُوجَدُ مَنْ تَحِيضُ أَقَلَّ وَأَكْثَرَ ، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ : أَقَلُّ الْحَيْضِ خَمْسٌ ، فَوَجَدْنَاهُ قَوْلًا بِلَا دَلِيلٍ ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ سَاقِطٌ .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ جَعَلَ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةً أَيَّامٍ فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي } رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُمَامَةَ : سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ ، وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ { عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ : حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّهَا أَمَرَتْ أَسْمَاءَ ، أَوْ أَسْمَاءُ حَدَّثَتْنِي أَنَّهَا أَمَرَتْهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ أَنْ تَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهَا أَنْ تَقْعُدَ الْأَيَّامَ الَّتِي كَانَتْ تَقْعُدُ ثُمَّ تَغْتَسِلَ } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَقَالُوا : أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ أَيَّامٍ فَثَلَاثَةٌ ، وَبِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بُرَيْقٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَافِعٍ درخت ثنا أَسَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْبَلْخِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّدَفِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا حَيْضَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ وَلَا فَوْقَ عَشْرٍ } قَالُوا : وَهُوَ 408 قَوْلُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْجَلْدِ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَرُوِّينَا أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ أَفْتَتْ بِذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَقِيلٍ عَنْ نَهْيِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ .
قَالَ عَلِيٌّ : أَمَّا الْخَبَرُ الصَّحِيحُ فِي هَذَا مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ وَفَاطِمَةَ وَأَسْمَاءَ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِذَلِكَ مَنْ كَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ مَعْهُودَةٌ ، هَذَا نَصُّ ذَلِكَ الْخَبَرِ الَّذِي لَا يَحِلُّ أَنْ يُحَالَ عَنْهُ وَلَمْ يَأْمُرْ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِذَلِكَ مَنْ لَا أَيَّامَ لَهَا .
بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ وَالْجَمُّ الْغَفِيرُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَسُفْيَانُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَجَرِيرٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ والدّرَاوَرْدِيُّ وَوَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، كُلَّهُمْ رَوَوْا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ ، فَإِذَا أَدْبَرَتْ الْحَيْضَةُ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي } وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ كُلُّهُمْ رَوَوْا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي } وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَالْمُنْذِرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ عُرْوَةَ كُلُّهُمْ { إذَا جَاءَتْ الْحَيْضَةُ وَإِذَا جَاءَ قُرْؤُكِ وَ إذَا جَاءَ الدَّمُ الْأَسْوَدُ } دُونَ ذِكْرِ أَيَّامٍ .
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ وَقُتَيْبَةُ ، كِلَاهُمَا عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ { إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الدَّمِ . قَالَتْ عَائِشَةُ : رَأَيْتُ مِرْكَنَهَا مَلْآنُ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُمْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي } فَهَذَا أَمْرٌ لِمَنْ كَانَتْ حَيْضَتُهَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَمِنْ يَوْمٍ وَأَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ أَيَّامٍ أَيْضًا .
وَهَذِهِ كُلُّهَا فَتَاوَى حَقٍّ لَا يَحِلُّ تَرْكُهَا ، وَلَا إحَالَةُ شَيْءٍ مِنْهَا عَنْ ظَاهِرِهَا ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ مُرَادَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَوْلِهِ كُلَّ مَا ذَكَرْنَا : إنَّمَا أَرَادَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنْ أَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ مَقْدِمٌ كَانَ كَاذِبًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِالْحَدِيثِ .
وَأَمَّا خَبَرُ مُعَاذٍ فَفِي غَايَةِ السُّقُوطِ ; لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّدَفِيِّ وَهُوَ 409 مَجْهُولٌ ، فَهُوَ مَوْضُوعٌ بِلَا شَكٍّ ، وَالْعَجَبُ مِنْ انْتِصَارِهِمْ هَهُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ اسْمُ الْأَيَّامِ إلَّا عَلَى ثَلَاثٍ لَا أَقَلَّ ، وَهُمْ يَقُولُونَ : إنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى أَخَوَيْنِ فَقَطْ فَهَلَّا جَعَلُوا لَفْظَةَ الْأَيَّامِ تَقَعُ هَهُنَا عَلَى يَوْمَيْنِ ؟ وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِ أَنَسٍ وَعَائِشَةَ فَلَا يَصِحُّ عَنْهُمَا ، لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ الْجَلْدِ بْنِ أَيُّوبَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَقِيلٍ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ عَنْهُ وَعَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ ، لِأَنَّهُ قَدْ خَالَفَهُمَا غَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا أَفْتَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ مَنْ لَهَا أَيَّامٌ مَعْهُودَةٌ ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ ، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ . وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ : أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، فَوَجَدْنَاهُ أَيْضًا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ النُّصُوصِ ، فَإِنْ ادَّعَى مُدَّعٍ إجْمَاعًا فِي ذَلِكَ فَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ : إنَّهُ يَعْرِفُ امْرَأَةً تَطْهُرُ عَشِيَّةً وَتَحِيضُ غُدْوَةً ، وَأَيْضًا فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ قَدْ أَوْجَبَا بِرُؤْيَةِ دَفْعَةٍ مِنْ الدَّمِ تَرْكَ الصَّلَاةِ وَفِطْرَ الصَّائِمَةِ وَتَحْرِيمَ الْوَطْءِ ، وَهَذِهِ أَحْكَامٌ الْحَيْضِ ، فَسَقَطَ أَيْضًا هَذَا الْقَوْلُ . وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
قَالَ عَلِيٌّ : ثُمَّ نَسْأَلُهُمْ عَمَّنْ رَأَتْ الدَّمَ فِي أَيَّامِ حَيْضَتِهَا : بِمَاذَا تُفْتُونَهَا ؟ فَلَا يَخْتَلِفُ مِنْهُمْ أَحَدٌ فِي أَنَّهَا حَائِضٌ وَلَا تُصَلِّي وَلَا تَصُومُ ، فَنَسْأَلُهُمْ : إنْ رَأَتْ الطُّهْرَ إثْرَهَا ؟ فَكُلُّهُمْ يَقُولُ : تَغْتَسِلِي وَتُصَلِّي ، فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ ، وَكَانَ يَلْزَمُهُمْ إذَا رَأَتْ الدَّمَ فِي أَيَّامِ حَيْضَتِهَا أَلَّا تُفْطِرَ وَلَا تَدَعَ الصَّلَاةَ وَأَلَّا يَحْرُمَ وَطْؤُهَا إلَّا حَتَّى تُتِمَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي قَوْلِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ أَقَلَّ الْحَيْضِ ، أَوْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا فِي قَوْلِ مَنْ رَأَى ذَلِكَ أَقَلَّ الْحَيْضِ ، فَإِذْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا وَلَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ ظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ ، وَصَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْآثَارَ الصِّحَاحَ كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا جَاءَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي } دُونَ تَحْدِيدِ وَقْتٍ ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُنَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ - بِأَصَحِّ إسْنَادٍ يَكُونُ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَفْتَى إذَا رَأَتْ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ ، فَإِذَا رَأَتْ الطُّهْرَ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَلْتَغْتَسِلْ وَتُصَلِّي .
وَأَقَلُّ الْحَيْضِ دَفْعَةً ، فَإِذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ الدَّمَ الْأَسْوَدَ مِنْ فَرْجِهَا أَمْسَكَتْ عَنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَحَرُمَ وَطْؤُهَا عَلَى بَعْلِهَا وَسَيِّدِهَا ، فَإِنْ رَأَتْ أَثَرَ الدَّمِ الْأَحْمَرِ أَوْ كَغُسَالَةِ اللَّحْمِ أَوْ الصُّفْرَةَ أَوْ الْكُدْرَةَ أَوْ الْبَيَاضَ أَوْ الْجُفُوفَ التَّامَّ - فَقَدْ طَهُرَتْ وَتَغْتَسِلُ أَوْ تَتَيَمَّمُ إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ التَّيَمُّمِ ، وَتُصَلِّي وَتَصُومُ وَيَأْتِيهَا بَعْلُهَا أَوْ سَيِّدُهَا ، وَهَكَذَا أَبَدًا مَتَى رَأَتْ الدَّمَ الْأَسْوَدَ فَهُوَ حَيْضٌ ، وَمَتَى رَأَتْ غَيْرَهُ فَهُوَ طُهْرٌ ، وَتَعْتَدُّ بِذَلِكَ مِنْ الطَّلَاقِ ، فَإِنْ تَمَادَى الْأَسْوَدُ فَهُوَ حَيْضٌ إلَى تَمَامِ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِنْ زَادَ مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَلَيْسَ حَيْضًا ، وَنَذْكُرُ حُكْمَ ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُرُودِ النَّصِّ بِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ ، وَمَا عَدَاهُ لَيْسَ حَيْضًا ، وَلَمْ يَخُصَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِذَلِكَ عَدَدَ أَوْقَاتٍ مِنْ عَدَدٍ ، بَلْ أَوْجَبَ بِرُؤْيَتِهِ أَنْ لَا تُصَلِّيَ وَلَا تَصُومَ ، وَحَرَّمَ تَعَالَى نِكَاحَهُنَّ فِيهِ ، وَأَمَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ إدْبَارِهِ وَالصَّوْمَ ، وَأَبَاحَ تَعَالَى الْوَطْءَ عِنْدَ الطُّهْرِ مِنْهُ ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ بِذَلِكَ ، وَمَا دَامَ يُوجَدُ الْحَيْضُ فَلَهُ حُكْمُهُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ، حَتَّى يَأْتِيَ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ حَيْضًا ، وَلَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ فِي أَقَلِّ مِنْ سَبْعَةَ عَشْرَ يَوْمًا ، فَمَا صَحَّ الْإِجْمَاعُ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ حَيْضًا وُقِفَ عِنْدَهُ ، وَانْتَقَلَتْ عَنْ حُكْمِ الْحَائِضِ وَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَمَرْدُودٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَعَلَ لِلدَّمِ الْأَسْوَدِ حُكْمَ الْحَيْضِ ، فَهُوَ حَيْضٌ مَانِعٌ مِمَّا ذَكَرْنَا ، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الطُّهْرِ الْمُبِيحِ لِلصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ لَا يَكُونُ قُرْءًا فِي الْعِدَّةِ ، فَالْمُفَرِّقُ بَيْنَ ذَلِكَ مُخْطِئٌ مُتَيَقِّنٌ الْخَطَأِ ، قَائِلٌ مَا لَا قُرْآنَ جَاءَ بِهِ وَلَا سُنَّةَ ، لَا صَحِيحَةً وَلَا سَقِيمَةً ، وَلَا قِيَاسَ وَلَا إجْمَاعَ ، بَلْ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ كِلَاهُمَا يُوجِبُ مَا قُلْنَا : مِنْ امْتِنَاعِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بِالْحَيْضِ ، وَوُجُودِهِمَا بِعَدَمِ الْحَيْضِ ، وَوُجُودِ الطُّهْرِ وَكَوْنِ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ قُرْءًا يُحْتَسَبُ بِهِ فِي الْعِدَّةِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } فَمَنْ حَدَّ فِي أَيَّامِ الْقُرْءِ حَدًّا فَهُوَ مُبْطِلٌ ، وَقَافٍ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ ، وَمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ .
وَفِي هَذَا خِلَافٌ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ : أَحَدُهَا أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَيْضِ ، وَالثَّانِي أَكْثَرُ مُدَّةِ 406 الْحَيْضِ ، وَالثَّالِثُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِدَّةِ فِي ذَلِكَ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ، فَأَمَّا أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَيْضِ فَإِنَّ طَائِفَةً قَالَتْ : أَقَلُّ الْحَيْضِ دَفْعَةٌ تُتْرَكُ لَهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَيَحْرُمُ الْوَطْءُ وَأَمَّا فِي الْعِدَّةِ فَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ : أَقَلُّهُ فِي الْعِدَّةِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : أَقَلُّ الْحَيْضِ دَفْعَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْوَطْءِ وَالْعِدَّةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَدَاوُد وَأَصْحَابِهِ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، فَإِنْ انْقَطَعَ قَبْلَ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ وَلَيْسَ حَيْضًا وَلَا تُتْرَكُ لَهُ صَلَاةٌ وَلَا صَوْمٌ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَسُفْيَانَ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : حَيْضُ النِّسَاءِ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ ، وَهُوَ قَوْلٌ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ .
قَالَ عَلِيٌّ : أَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ وَبَيْنَ الْعِدَّةِ ، فَقَوْلٌ ظَاهِرُ الْخَطَأِ ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً أَصْلًا ، لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا مِنْ قِيَاسٍ وَلَا مِنْ احْتِيَاطٍ وَلَا مِنْ رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ ، فَوَجَبَ تَرْكُهُ .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ : حَيْضُ النِّسَاءِ يَدُورُ عَلَى سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ ، فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ حُجَّةً إلَّا أَنْ قَالُوا : هَذَا هُوَ الْمَعْهُودُ فِي النِّسَاءِ ، وَذَكَرُوا حَدِيثًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ { عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أَنَّهَا اُسْتُحِيضَتْ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَلَ حَيْضَتِهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً } .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ زَكَرِيَّا بْنَ عَدِيٍّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الرَّقِّيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : تَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً فِي عِلْمِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ثُمَّ اغْتَسِلِي ، فَإِذَا اسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ وَأَيَّامَهَا وَصُومِي كَذَلِكَ ، وَافْعَلِي فِي كُلِّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ } .
وَقَدْ أَخَذَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبُو عُبَيْدٍ فَجَعَلَ هَذَا حُكْمَ الْمُبْتَدَأَةَ . 407
قَالَ عَلِيٌّ : أَمَّا هَذَانِ الْخَبَرَانِ فَلَا يَصِحَّانِ ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَإِنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ .
كَذَلِكَ حَدَّثَنَاهُ حَمَامٌ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ أَيْمَنَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِيهِ - وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : حَدَّثْتُ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ ، قَالَ أَحْمَدُ : وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ قَالَ أَحْمَدُ : وَالنُّعْمَانُ يُعْرَفُ فِيهِ الضَّعْفُ .
وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا شَرِيكٌ وَزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ .
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَأَيْضًا فَعُمَرُ بْنُ طَلْحَةَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، لَا يُعْرَفُ لِطَلْحَةَ ابْنٌ اسْمُهُ عُمَرُ .
وَأَمَّا الْآخَرُ فَمِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ ، وَقَدْ تُرِكَ حَدِيثُهُ فَسَقَطَ الْخَبَرُ جُمْلَةً .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ هَذَا هُوَ الْمَعْهُودُ مِنْ حَيْضِ النِّسَاءِ فَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ مُرَاعَاةَ ذَلِكَ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ ، وَقَدْ يُوجَدُ فِي النِّسَاءِ مَنْ لَا تَحِيضُ أَصْلًا فَلَا يُجْعَلُ لَهَا حُكْمُ الْحَيْضِ ، فَبَطَلَ حَمْلُهُنَّ عَلَى الْمَعْهُودِ ، وَقَدْ يُوجَدُ مَنْ تَحِيضُ أَقَلَّ وَأَكْثَرَ ، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ : أَقَلُّ الْحَيْضِ خَمْسٌ ، فَوَجَدْنَاهُ قَوْلًا بِلَا دَلِيلٍ ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ سَاقِطٌ .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ جَعَلَ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةً أَيَّامٍ فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي } رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُمَامَةَ : سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ ، وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ { عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ : حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّهَا أَمَرَتْ أَسْمَاءَ ، أَوْ أَسْمَاءُ حَدَّثَتْنِي أَنَّهَا أَمَرَتْهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ أَنْ تَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهَا أَنْ تَقْعُدَ الْأَيَّامَ الَّتِي كَانَتْ تَقْعُدُ ثُمَّ تَغْتَسِلَ } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَقَالُوا : أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ أَيَّامٍ فَثَلَاثَةٌ ، وَبِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بُرَيْقٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَافِعٍ درخت ثنا أَسَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْبَلْخِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّدَفِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا حَيْضَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ وَلَا فَوْقَ عَشْرٍ } قَالُوا : وَهُوَ 408 قَوْلُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْجَلْدِ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَرُوِّينَا أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ أَفْتَتْ بِذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَقِيلٍ عَنْ نَهْيِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ .
قَالَ عَلِيٌّ : أَمَّا الْخَبَرُ الصَّحِيحُ فِي هَذَا مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ وَفَاطِمَةَ وَأَسْمَاءَ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِذَلِكَ مَنْ كَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ مَعْهُودَةٌ ، هَذَا نَصُّ ذَلِكَ الْخَبَرِ الَّذِي لَا يَحِلُّ أَنْ يُحَالَ عَنْهُ وَلَمْ يَأْمُرْ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِذَلِكَ مَنْ لَا أَيَّامَ لَهَا .
بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ وَالْجَمُّ الْغَفِيرُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَسُفْيَانُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَجَرِيرٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ والدّرَاوَرْدِيُّ وَوَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، كُلَّهُمْ رَوَوْا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ ، فَإِذَا أَدْبَرَتْ الْحَيْضَةُ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي } وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ كُلُّهُمْ رَوَوْا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي } وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَالْمُنْذِرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ عُرْوَةَ كُلُّهُمْ { إذَا جَاءَتْ الْحَيْضَةُ وَإِذَا جَاءَ قُرْؤُكِ وَ إذَا جَاءَ الدَّمُ الْأَسْوَدُ } دُونَ ذِكْرِ أَيَّامٍ .
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ وَقُتَيْبَةُ ، كِلَاهُمَا عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ { إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الدَّمِ . قَالَتْ عَائِشَةُ : رَأَيْتُ مِرْكَنَهَا مَلْآنُ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُمْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي } فَهَذَا أَمْرٌ لِمَنْ كَانَتْ حَيْضَتُهَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَمِنْ يَوْمٍ وَأَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ أَيَّامٍ أَيْضًا .
وَهَذِهِ كُلُّهَا فَتَاوَى حَقٍّ لَا يَحِلُّ تَرْكُهَا ، وَلَا إحَالَةُ شَيْءٍ مِنْهَا عَنْ ظَاهِرِهَا ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ مُرَادَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَوْلِهِ كُلَّ مَا ذَكَرْنَا : إنَّمَا أَرَادَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنْ أَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ مَقْدِمٌ كَانَ كَاذِبًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِالْحَدِيثِ .
وَأَمَّا خَبَرُ مُعَاذٍ فَفِي غَايَةِ السُّقُوطِ ; لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّدَفِيِّ وَهُوَ 409 مَجْهُولٌ ، فَهُوَ مَوْضُوعٌ بِلَا شَكٍّ ، وَالْعَجَبُ مِنْ انْتِصَارِهِمْ هَهُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ اسْمُ الْأَيَّامِ إلَّا عَلَى ثَلَاثٍ لَا أَقَلَّ ، وَهُمْ يَقُولُونَ : إنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى أَخَوَيْنِ فَقَطْ فَهَلَّا جَعَلُوا لَفْظَةَ الْأَيَّامِ تَقَعُ هَهُنَا عَلَى يَوْمَيْنِ ؟ وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِ أَنَسٍ وَعَائِشَةَ فَلَا يَصِحُّ عَنْهُمَا ، لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ الْجَلْدِ بْنِ أَيُّوبَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَقِيلٍ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ عَنْهُ وَعَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ ، لِأَنَّهُ قَدْ خَالَفَهُمَا غَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا أَفْتَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ مَنْ لَهَا أَيَّامٌ مَعْهُودَةٌ ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ ، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ . وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ : أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، فَوَجَدْنَاهُ أَيْضًا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ النُّصُوصِ ، فَإِنْ ادَّعَى مُدَّعٍ إجْمَاعًا فِي ذَلِكَ فَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ : إنَّهُ يَعْرِفُ امْرَأَةً تَطْهُرُ عَشِيَّةً وَتَحِيضُ غُدْوَةً ، وَأَيْضًا فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ قَدْ أَوْجَبَا بِرُؤْيَةِ دَفْعَةٍ مِنْ الدَّمِ تَرْكَ الصَّلَاةِ وَفِطْرَ الصَّائِمَةِ وَتَحْرِيمَ الْوَطْءِ ، وَهَذِهِ أَحْكَامٌ الْحَيْضِ ، فَسَقَطَ أَيْضًا هَذَا الْقَوْلُ . وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
قَالَ عَلِيٌّ : ثُمَّ نَسْأَلُهُمْ عَمَّنْ رَأَتْ الدَّمَ فِي أَيَّامِ حَيْضَتِهَا : بِمَاذَا تُفْتُونَهَا ؟ فَلَا يَخْتَلِفُ مِنْهُمْ أَحَدٌ فِي أَنَّهَا حَائِضٌ وَلَا تُصَلِّي وَلَا تَصُومُ ، فَنَسْأَلُهُمْ : إنْ رَأَتْ الطُّهْرَ إثْرَهَا ؟ فَكُلُّهُمْ يَقُولُ : تَغْتَسِلِي وَتُصَلِّي ، فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ ، وَكَانَ يَلْزَمُهُمْ إذَا رَأَتْ الدَّمَ فِي أَيَّامِ حَيْضَتِهَا أَلَّا تُفْطِرَ وَلَا تَدَعَ الصَّلَاةَ وَأَلَّا يَحْرُمَ وَطْؤُهَا إلَّا حَتَّى تُتِمَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي قَوْلِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ أَقَلَّ الْحَيْضِ ، أَوْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا فِي قَوْلِ مَنْ رَأَى ذَلِكَ أَقَلَّ الْحَيْضِ ، فَإِذْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا وَلَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ ظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ ، وَصَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْآثَارَ الصِّحَاحَ كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا جَاءَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي } دُونَ تَحْدِيدِ وَقْتٍ ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُنَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ - بِأَصَحِّ إسْنَادٍ يَكُونُ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَفْتَى إذَا رَأَتْ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ ، فَإِذَا رَأَتْ الطُّهْرَ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَلْتَغْتَسِلْ وَتُصَلِّي .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith