المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الأول
219 - مَسْأَلَةٌ :
وَمَنْ مَسَحَ كَمَا ذَكَرْنَا عَلَى مَا فِي رِجْلَيْهِ ثُمَّ خَلَعَهُمَا لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ شَيْئًا ، وَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ وُضُوءٍ وَلَا غَسْلُ رِجْلَيْهِ ، بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كَمَا كَانَ وَيُصَلِّي كَذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ مَسَحَ عَلَى عِمَامَةٍ أَوْ خِمَارٍ ثُمَّ نَزَعَهُمَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ وُضُوءٍ وَلَا مَسْحُ رَأْسِهِ بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كَمَا كَانَ وَيُصَلِّي كَذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَسَحَ عَلَى خُفٍّ عَلَى خُفٍّ ثُمَّ نَزَعَ 338 الْأَعْلَى فَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ شَيْئًا ، وَيُصَلِّي كَمَا هُوَ دُونَ أَنْ يُعِيدَ مَسْحًا .
وَكَذَلِكَ مَنْ تَوَضَّأَ أَوْ اغْتَسَلَ ثُمَّ حَلَقَ شَعْرَهُ أَوْ تَقَصَّصَ أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ ، فَهُوَ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى وُضُوئِهِ وَطَهَارَتِهِ وَيُصَلِّي كَمَا هُوَ دُونَ أَنْ يَمْسَحَ مَوَاضِعَ الْقَصِّ .
وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ ، كَمَا رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، وَرُوِّينَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْفُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ : أَنَّهُ كَانَ يُحْدِثُ ثُمَّ يَمْسَحُ عَلَى جُرْمُوقَيْنِ لَهُ مِنْ لُبُودٍ ثُمَّ يَنْزِعُهُمَا ، فَإِذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ لَبِسَهُمَا وَصَلَّى .
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ : مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ أَخْرَجَ قَدَمَهُ الْوَاحِدَةَ مِنْ مَوْضِعِهَا إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ ، أَوْ أَخْرَجَ كِلْتَيْهِمَا كَذَلِكَ فَقَدْ بَطَلَ مَسْحُهُ ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ قَدَمَيْهِ جَمِيعًا وَيَغْسِلَهُمَا ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ لَوْ أَخْرَجَهُمَا بِالْكُلِّ .
قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَكَذَلِكَ إذَا أَخْرَجَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْقَدَمِ إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ .
قَالَ فَلَوْ لَبِسَ جُرْمُوقَيْنِ عَلَى خُفَّيْنِ ثُمَّ مَسَحَ عَلَيْهِمَا ثُمَّ خَلَعَ أَحَدَ الْجُرْمُوقَيْنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفِّ الَّذِي كَانَ تَحْتَ الْجُرْمُوقِ وَيَمْسَحَ أَيْضًا عَلَى الْجُرْمُوقِ الثَّانِي وَلَا بُدَّ ، لِأَنَّ بَعْضَ الْمَسْحِ إذَا انْتَقَضَ انْتَقَضَ كُلُّهُ .
قَالَ : فَلَوْ تَوَضَّأَ ثُمَّ جَزَّ شَعْرَهُ وَقَصَّ شَارِبَهُ وَأَظْفَارَهُ فَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَمَسَّ الْمَاءُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ .
وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ قَالَ : مَنْ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ خَلَعَ أَحَدَهُمَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَخْلَعَ الثَّانِيَ وَيَغْسِلَ رِجْلَيْهِ . وَكَذَلِكَ لَوْ خَلَعَهُمَا جَمِيعًا .
وَكَذَلِكَ مَنْ أَخْرَجَ إحْدَى رِجْلَيْهِ أَوْ كِلْتَيْهِمَا مِنْ مَوْضِعِ الْقَدَمِ إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ فَإِنَّهُ يَخْلَعُهُمَا جَمِيعًا وَلَا بُدَّ وَيَغْسِلُ قَدَمَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ قَدَمَيْهِ فِي فَوْرِهِ ذَلِكَ لَزِمَهُ ابْتِدَاءُ الْوُضُوءِ ، فَلَوْ تَوَضَّأَ وَجَزَّ بَعْدَ ذَلِكَ شَعْرَهُ أَوْ قَصَّ أَظْفَارَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَمَسَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ ، قَالَ فَلَوْ أَخْرَجَ عَقِبَيْهِ أَوْ إحْدَاهُمَا مِنْ مَوْضِعِ الْقَدَمِ إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ إلَّا أَنَّ سَائِرَ قَدَمَيْهِ فِي مَوْضِعِ الْقَدَمِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ رِجْلَيْهِ لِذَلِكَ وَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَنْ خَلَعَ أَحَدَ خُفَّيْهِ لَزِمَهُ خَلْعُ الثَّانِي وَغَسْلُ قَدَمَيْهِ ، فَإِنْ خَلَعَهُمَا جَمِيعًا فَكَذَلِكَ ، فَلَوْ أَخْرَجَ رِجْلَيْهِ كِلَيْهِمَا عَنْ مَوْضِعِهِمَا وَلَمْ يُخْرِجْهُمَا وَلَا شَيْئًا مِنْهُمَا عَنْ مَوْضِعِ سَاقِ الْخُفِّ فَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يُخْرِجَ شَيْئًا مِمَّا يَجِبُ 339 غَسْلُهُ عَنْ جَمِيعِ الْخُفِّ ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَخْلَعَهُمَا حِينَئِذٍ وَيَغْسِلَهُمَا ، فَإِنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ جَزَّ شَعْرَهُ أَوْ قَصَّ أَظْفَارَهُ فَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَمَسَّ الْمَاءُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ .
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إنْ خَلَعَ خُفَّيْهِ أَوْ جَزَّ شَعْرَهُ أَوْ قَصَّ أَظْفَارَهُ لَزِمَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْوُضُوءَ فِي خَلْعِ الْخُفَّيْنِ وَأَنْ يَمْسَحَ عَلَى رَأْسِهِ وَيُمِسَّ الْمَاءَ مَوْضِعَ الْقَطْعِ مِنْ أَظْفَارِهِ فِي الْجَزِّ وَالْقَصِّ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ .
وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِيمَنْ مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ ثُمَّ نَزَعَهَا فَإِنَّهُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ بِالْمَاءِ .
قَالَ عَلِيٌّ : أَمَّا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي مُرَاعَاةِ إخْرَاجِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْقَدَمِ عَنْ مَوْضِعِهَا فَيَلْزَمُهُ الْغَسْلُ فِي رِجْلَيْهِ مَعًا أَوْ إخْرَاجُ نِصْفِهَا فَأَقَلَّ فَلَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ رِجْلَيْهِ ، فَتَحَكُّمٌ فِي الدِّينِ ظَاهِرٌ وَشَرْعٌ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلَا أَوْجَبَهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ ، وَلَا قِيَاسٌ وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ وَلَا رَأْيٌ مُطَّرِدٌ ، لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَرَّةً الْكَثِيرَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ ، وَمَرَّةً الثُّلُثَ ، وَمَرَّةً الرُّبُعَ ، وَمَرَّةً شِبْرًا فِي شِبْرٍ ، وَمَرَّةً أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ ، وَكُلُّ هَذَا تَخْلِيطٌ .
وَأَمَّا فَرْقُ مَالِكٍ بَيْنَ إخْرَاجِ الْعَقِبِ إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ فَلَا يَنْتَقِضُ الْمَسْحُ ، وَبَيْنَ إخْرَاجِ الْقَدَمِ كُلِّهَا إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ فَيَنْتَقِضُ الْمَسْحُ ، فَتَحَكُّمٌ أَيْضًا لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ وَلَا يُوجِبُهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا سَقِيمَةٌ ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا رَأْيٌ مُطَّرِدٌ ; لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ بَقَاءَ الْعَقِبِ فِي الْوُضُوءِ لَا يَطْهُرُ ، إنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ لَا وُضُوءَ لَهُ ، فَإِنْ كَانَ الْمَسْحُ قَدْ انْتَقَضَ عَنْ الرِّجْلِ بِخُرُوجِهَا عَنْ مَوْضِعِ الْقَدَمِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ انْتِقَاضِ الْمَسْحِ عَنْ الْعَقِبِ بِخُرُوجِهَا عَنْ مَوْضِعِهَا إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ ، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ الْمَسْحُ لَا يَنْتَقِضُ عَنْ الْعَقِبِ بِخُرُوجِهَا إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ أَيْضًا بِخُرُوجِ الْقَدَمِ إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَأَمَّا تَفْرِيقُهُمْ جَمِيعُهُمْ بَيْنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثُمَّ يُخْلَعَانِ فَيَنْتَقِضُ الْمَسْحُ وَيَلْزَمُ إتْمَامُ الْوُضُوءِ ، وَبَيْنَ الْوُضُوءِ ثُمَّ يُجَزُّ الشَّعْرُ وَتُقَصُّ الْأَظْفَارُ فَلَا يَنْتَقِضُ الْغَسْلُ عَنْ مِقَصِّ الْأَظْفَارِ وَلَا الْمَسْحُ عَلَى الرَّأْسِ فَفَرْقٌ فَاسِدٌ ظَاهِرُ التَّنَاقُضِ وَلَوْ عَكَسَ إنْسَانٌ هَذَا الْقَوْلَ فَأَوْجَبَ مَسْحَ الرَّأْسِ عَلَى مَنْ حَلَقَ شَعْرَهُ وَمَسَّ مِجَزَّ الْأَظْفَارِ بِالْمَاءِ وَلَمْ يَرَ الْمَسْحَ عَلَى مَنْ خَلَعَ خُفَّيْهِ ، لَمَا كَانَ بَيْنَهَا فَرْقٌ .
قَالَ عَلِيٌّ : وَمَا وَجَدْنَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مُتَعَلَّقًا أَصْلًا إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ : وَجَدْنَا مَسْحَ الرَّأْسِ وَغَسْلَ الْقَدَمَيْنِ فِي الْوُضُوءِ إنَّمَا قُصِدَ بِهِ الرَّأْسُ لَا الشَّعْرُ ، وَإِنَّمَا قُصِدَ بِهِ 340 الْأَصَابِعُ لَا الْأَظَافِرُ ، فَلَمَّا جُزَّ الشَّعْرُ وَقُطِعَتْ الْأَظْفَارُ بَقِيَ الْوُضُوءُ بِحَسَبِهِ ، وَأَمَّا الْمَسْحُ فَإِنَّمَا قُصِدَ بِهِ الْخُفَّانِ لَا الرِّجْلَانِ ، فَلَمَّا نُزِعَا بَقِيَتْ الرِّجْلَانِ لَمْ تُوَضَّآ ، فَهُوَ يُصَلِّي بِرِجْلَيْنِ لَا مَغْسُولَتَيْنِ وَلَا مَمْسُوحٍ عَلَيْهِمَا فَهُوَ نَاقِصُ الْوُضُوءِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا لَا شَيْءَ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ وَتَحَكُّمٌ بِالْبَاطِلِ ، فَلَوْ عُكِسَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فَقِيلَ لَهُ : بَلْ الْمَسْحُ عَلَى الرَّأْسِ وَغَسْلُ الْأَظْفَارِ إنَّمَا قُصِدَ بِهِ الشَّعْرُ وَالْأَظْفَارُ فَقَطْ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى الشَّعْرِ حِنَّاءٌ وَعَلَى الْأَظْفَارِ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ ، وَأَمَّا الْخُفَّانِ فَالْمَقْصُودُ بِالْمَسْحِ الْقَدَمَانِ لَا الْخُفَّانِ ، لِأَنَّ الْخُفَّيْنِ لَوْلَا الْقَدَمَانِ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا فَصَحَّ أَنَّ حُكْمَ الْقَدَمَيْنِ الْغَسْلُ ، إنْ كَانَتَا مَكْشُوفَتَيْنِ ، وَالْمَسْحُ إنْ كَانَتَا فِي خُفَّيْنِ لَمَا كَانَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فَرْقٌ .
ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ : هَبْكُمْ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قُلْتُمْ فِي أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمَسْحِ الْخُفَّانِ ، وَبِالْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ الرَّأْسُ ، وَبِغَسْلِ الْيَدَيْنِ لِلْأَصَابِعِ لَا لِلْأَظْفَارِ .
فَكَانَ مَاذَا ؟ أَوْ مِنْ أَيْنَ وَجَبَ مِنْ هَذَا أَنْ يُعَادَ الْمَسْحُ بِخَلْعِ الْخُفَّيْنِ وَلَا يُعَادَ بِحَلْقِ الشَّعْرِ ؟
قَالَ عَلِيٌّ : فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّهُ يُصَلِّي بِقَدَمَيْنِ لَا مَغْسُولَتَيْنِ وَلَا مَمْسُوحٍ عَلَيْهِمَا - فَبَاطِلٌ ، بَلْ مَا يُصَلِّي - إلَّا عَلَى قَدَمَيْنِ مَمْسُوحٍ عَلَى خُفَّيْنِ عَلَيْهِمَا .
قَالَ عَلِيٌّ : فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ كَمَا بَيَّنَّا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ : يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ فَقَطْ ، فَهُوَ بَاطِلٌ مُتَيَقَّنٌ ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ بِإِقْرَارِهِمْ قَدْ تَمَّ وُضُوءُهُ وَجَازَتْ لَهُ الصَّلَاةُ بِهِ ثُمَّ أَمَرْتُمُوهُ بِغَسْلِ رِجْلَيْهِ فَقَطْ ، وَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا : إمَّا أَنْ يَكُونَ الْوُضُوءُ الَّذِي قَدْ كَانَ تَمَّ قَدْ بَطَلَ أَوْ يَكُونَ لَمْ يَبْطُلْ ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَبْطُلْ فَهَذَا قَوْلُنَا وَإِنْ كَانَ قَدْ بَطَلَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْتَدِئَ الْوُضُوءَ ، وَإِلَّا فَمِنْ الْمُحَالِ الْبَاطِلِ الَّذِي لَا يُخَيَّلُ أَنْ يَكُونَ وُضُوءٌ قَدْ تَمَّ ثُمَّ يُنْقَضُ بَعْضُهُ وَلَا يُنْقَضُ بَعْضُهُ ، هَذَا أَمْرٌ لَا يُوجِبُهُ نَصٌّ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا رَأْيٌ يَصِحُّ .
فَبَطَلَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا وَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُنَا أَوْ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ .
فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا الْبُرْهَانَ قَدْ صَحَّ بِنَصِّ السُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ فَإِنَّهُ قَدْ تَمَّ وُضُوءُهُ وَارْتَفَعَ حَدَثُهُ وَجَازَتْ لَهُ الصَّلَاةُ .
وَأَجْمَعَ هَؤُلَاءِ الْمُخَالِفُونَ لَنَا عَلَى ذَلِكَ فِيمَنْ مَسَحَ رَأْسَهُ وَخُفَّيْهِ ثُمَّ إنَّهُ لَمَّا خَلَعَ 341 خُفَّيْهِ وَعِمَامَتَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ أَوْ تَقَصَّصَ وَقَطَعَ أَظْفَارَهُ : قَالَ قَوْمٌ : قَدْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ ، وَقَالَ آخَرُونَ لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا الْحَلْقَ وَقَصَّ الشَّعْرِ وَقَصَّ الْأَظْفَارِ وَخَلْعَ الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُ حَدَثًا ، وَالطَّهَارَةُ لَا يَنْقُضُهَا إلَّا الْأَحْدَاثُ ، أَوْ نَصٌّ وَارِدٌ بِانْتِقَاضِهَا وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَدَثٌ وَلَا نَصٌّ هَهُنَا عَلَى انْتِقَاضِ طَهَارَتِهِ وَلَا عَلَى انْتِقَاضِ بَعْضِهَا فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ ، وَصَحَّ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ عَلَى طَهَارَتِهِ ، وَأَنَّهُ يُصَلِّي مَا لَمْ يُحْدِثْ ، وَلَا يَلْزَمُهُ مَسْحُ رَأْسِهِ وَلَا أَظْفَارِهِ وَلَا غَسْلُ رِجْلَيْهِ وَلَا إعَادَةُ وُضُوئِهِ ، وَكَانَ مَنْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ كَمَنْ أَوْجَبَهُ مِنْ الْمَشْيِ أَوْ مِنْ الْكَلَامِ أَوْ مِنْ خَلْعِ قَمِيصِهِ وَلَا فَرْقَ . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
وَمَنْ مَسَحَ كَمَا ذَكَرْنَا عَلَى مَا فِي رِجْلَيْهِ ثُمَّ خَلَعَهُمَا لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ شَيْئًا ، وَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ وُضُوءٍ وَلَا غَسْلُ رِجْلَيْهِ ، بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كَمَا كَانَ وَيُصَلِّي كَذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ مَسَحَ عَلَى عِمَامَةٍ أَوْ خِمَارٍ ثُمَّ نَزَعَهُمَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ وُضُوءٍ وَلَا مَسْحُ رَأْسِهِ بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كَمَا كَانَ وَيُصَلِّي كَذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَسَحَ عَلَى خُفٍّ عَلَى خُفٍّ ثُمَّ نَزَعَ 338 الْأَعْلَى فَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ شَيْئًا ، وَيُصَلِّي كَمَا هُوَ دُونَ أَنْ يُعِيدَ مَسْحًا .
وَكَذَلِكَ مَنْ تَوَضَّأَ أَوْ اغْتَسَلَ ثُمَّ حَلَقَ شَعْرَهُ أَوْ تَقَصَّصَ أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ ، فَهُوَ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى وُضُوئِهِ وَطَهَارَتِهِ وَيُصَلِّي كَمَا هُوَ دُونَ أَنْ يَمْسَحَ مَوَاضِعَ الْقَصِّ .
وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ ، كَمَا رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، وَرُوِّينَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْفُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ : أَنَّهُ كَانَ يُحْدِثُ ثُمَّ يَمْسَحُ عَلَى جُرْمُوقَيْنِ لَهُ مِنْ لُبُودٍ ثُمَّ يَنْزِعُهُمَا ، فَإِذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ لَبِسَهُمَا وَصَلَّى .
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ : مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ أَخْرَجَ قَدَمَهُ الْوَاحِدَةَ مِنْ مَوْضِعِهَا إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ ، أَوْ أَخْرَجَ كِلْتَيْهِمَا كَذَلِكَ فَقَدْ بَطَلَ مَسْحُهُ ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ قَدَمَيْهِ جَمِيعًا وَيَغْسِلَهُمَا ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ لَوْ أَخْرَجَهُمَا بِالْكُلِّ .
قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَكَذَلِكَ إذَا أَخْرَجَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْقَدَمِ إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ .
قَالَ فَلَوْ لَبِسَ جُرْمُوقَيْنِ عَلَى خُفَّيْنِ ثُمَّ مَسَحَ عَلَيْهِمَا ثُمَّ خَلَعَ أَحَدَ الْجُرْمُوقَيْنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفِّ الَّذِي كَانَ تَحْتَ الْجُرْمُوقِ وَيَمْسَحَ أَيْضًا عَلَى الْجُرْمُوقِ الثَّانِي وَلَا بُدَّ ، لِأَنَّ بَعْضَ الْمَسْحِ إذَا انْتَقَضَ انْتَقَضَ كُلُّهُ .
قَالَ : فَلَوْ تَوَضَّأَ ثُمَّ جَزَّ شَعْرَهُ وَقَصَّ شَارِبَهُ وَأَظْفَارَهُ فَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَمَسَّ الْمَاءُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ .
وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ قَالَ : مَنْ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ خَلَعَ أَحَدَهُمَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَخْلَعَ الثَّانِيَ وَيَغْسِلَ رِجْلَيْهِ . وَكَذَلِكَ لَوْ خَلَعَهُمَا جَمِيعًا .
وَكَذَلِكَ مَنْ أَخْرَجَ إحْدَى رِجْلَيْهِ أَوْ كِلْتَيْهِمَا مِنْ مَوْضِعِ الْقَدَمِ إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ فَإِنَّهُ يَخْلَعُهُمَا جَمِيعًا وَلَا بُدَّ وَيَغْسِلُ قَدَمَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ قَدَمَيْهِ فِي فَوْرِهِ ذَلِكَ لَزِمَهُ ابْتِدَاءُ الْوُضُوءِ ، فَلَوْ تَوَضَّأَ وَجَزَّ بَعْدَ ذَلِكَ شَعْرَهُ أَوْ قَصَّ أَظْفَارَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَمَسَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ ، قَالَ فَلَوْ أَخْرَجَ عَقِبَيْهِ أَوْ إحْدَاهُمَا مِنْ مَوْضِعِ الْقَدَمِ إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ إلَّا أَنَّ سَائِرَ قَدَمَيْهِ فِي مَوْضِعِ الْقَدَمِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ رِجْلَيْهِ لِذَلِكَ وَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَنْ خَلَعَ أَحَدَ خُفَّيْهِ لَزِمَهُ خَلْعُ الثَّانِي وَغَسْلُ قَدَمَيْهِ ، فَإِنْ خَلَعَهُمَا جَمِيعًا فَكَذَلِكَ ، فَلَوْ أَخْرَجَ رِجْلَيْهِ كِلَيْهِمَا عَنْ مَوْضِعِهِمَا وَلَمْ يُخْرِجْهُمَا وَلَا شَيْئًا مِنْهُمَا عَنْ مَوْضِعِ سَاقِ الْخُفِّ فَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يُخْرِجَ شَيْئًا مِمَّا يَجِبُ 339 غَسْلُهُ عَنْ جَمِيعِ الْخُفِّ ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَخْلَعَهُمَا حِينَئِذٍ وَيَغْسِلَهُمَا ، فَإِنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ جَزَّ شَعْرَهُ أَوْ قَصَّ أَظْفَارَهُ فَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَمَسَّ الْمَاءُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ .
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إنْ خَلَعَ خُفَّيْهِ أَوْ جَزَّ شَعْرَهُ أَوْ قَصَّ أَظْفَارَهُ لَزِمَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْوُضُوءَ فِي خَلْعِ الْخُفَّيْنِ وَأَنْ يَمْسَحَ عَلَى رَأْسِهِ وَيُمِسَّ الْمَاءَ مَوْضِعَ الْقَطْعِ مِنْ أَظْفَارِهِ فِي الْجَزِّ وَالْقَصِّ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ .
وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِيمَنْ مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ ثُمَّ نَزَعَهَا فَإِنَّهُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ بِالْمَاءِ .
قَالَ عَلِيٌّ : أَمَّا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي مُرَاعَاةِ إخْرَاجِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْقَدَمِ عَنْ مَوْضِعِهَا فَيَلْزَمُهُ الْغَسْلُ فِي رِجْلَيْهِ مَعًا أَوْ إخْرَاجُ نِصْفِهَا فَأَقَلَّ فَلَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ رِجْلَيْهِ ، فَتَحَكُّمٌ فِي الدِّينِ ظَاهِرٌ وَشَرْعٌ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلَا أَوْجَبَهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ ، وَلَا قِيَاسٌ وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ وَلَا رَأْيٌ مُطَّرِدٌ ، لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَرَّةً الْكَثِيرَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ ، وَمَرَّةً الثُّلُثَ ، وَمَرَّةً الرُّبُعَ ، وَمَرَّةً شِبْرًا فِي شِبْرٍ ، وَمَرَّةً أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ ، وَكُلُّ هَذَا تَخْلِيطٌ .
وَأَمَّا فَرْقُ مَالِكٍ بَيْنَ إخْرَاجِ الْعَقِبِ إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ فَلَا يَنْتَقِضُ الْمَسْحُ ، وَبَيْنَ إخْرَاجِ الْقَدَمِ كُلِّهَا إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ فَيَنْتَقِضُ الْمَسْحُ ، فَتَحَكُّمٌ أَيْضًا لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ وَلَا يُوجِبُهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا سَقِيمَةٌ ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا رَأْيٌ مُطَّرِدٌ ; لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ بَقَاءَ الْعَقِبِ فِي الْوُضُوءِ لَا يَطْهُرُ ، إنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ لَا وُضُوءَ لَهُ ، فَإِنْ كَانَ الْمَسْحُ قَدْ انْتَقَضَ عَنْ الرِّجْلِ بِخُرُوجِهَا عَنْ مَوْضِعِ الْقَدَمِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ انْتِقَاضِ الْمَسْحِ عَنْ الْعَقِبِ بِخُرُوجِهَا عَنْ مَوْضِعِهَا إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ ، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ الْمَسْحُ لَا يَنْتَقِضُ عَنْ الْعَقِبِ بِخُرُوجِهَا إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ أَيْضًا بِخُرُوجِ الْقَدَمِ إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَأَمَّا تَفْرِيقُهُمْ جَمِيعُهُمْ بَيْنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثُمَّ يُخْلَعَانِ فَيَنْتَقِضُ الْمَسْحُ وَيَلْزَمُ إتْمَامُ الْوُضُوءِ ، وَبَيْنَ الْوُضُوءِ ثُمَّ يُجَزُّ الشَّعْرُ وَتُقَصُّ الْأَظْفَارُ فَلَا يَنْتَقِضُ الْغَسْلُ عَنْ مِقَصِّ الْأَظْفَارِ وَلَا الْمَسْحُ عَلَى الرَّأْسِ فَفَرْقٌ فَاسِدٌ ظَاهِرُ التَّنَاقُضِ وَلَوْ عَكَسَ إنْسَانٌ هَذَا الْقَوْلَ فَأَوْجَبَ مَسْحَ الرَّأْسِ عَلَى مَنْ حَلَقَ شَعْرَهُ وَمَسَّ مِجَزَّ الْأَظْفَارِ بِالْمَاءِ وَلَمْ يَرَ الْمَسْحَ عَلَى مَنْ خَلَعَ خُفَّيْهِ ، لَمَا كَانَ بَيْنَهَا فَرْقٌ .
قَالَ عَلِيٌّ : وَمَا وَجَدْنَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مُتَعَلَّقًا أَصْلًا إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ : وَجَدْنَا مَسْحَ الرَّأْسِ وَغَسْلَ الْقَدَمَيْنِ فِي الْوُضُوءِ إنَّمَا قُصِدَ بِهِ الرَّأْسُ لَا الشَّعْرُ ، وَإِنَّمَا قُصِدَ بِهِ 340 الْأَصَابِعُ لَا الْأَظَافِرُ ، فَلَمَّا جُزَّ الشَّعْرُ وَقُطِعَتْ الْأَظْفَارُ بَقِيَ الْوُضُوءُ بِحَسَبِهِ ، وَأَمَّا الْمَسْحُ فَإِنَّمَا قُصِدَ بِهِ الْخُفَّانِ لَا الرِّجْلَانِ ، فَلَمَّا نُزِعَا بَقِيَتْ الرِّجْلَانِ لَمْ تُوَضَّآ ، فَهُوَ يُصَلِّي بِرِجْلَيْنِ لَا مَغْسُولَتَيْنِ وَلَا مَمْسُوحٍ عَلَيْهِمَا فَهُوَ نَاقِصُ الْوُضُوءِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا لَا شَيْءَ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ وَتَحَكُّمٌ بِالْبَاطِلِ ، فَلَوْ عُكِسَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فَقِيلَ لَهُ : بَلْ الْمَسْحُ عَلَى الرَّأْسِ وَغَسْلُ الْأَظْفَارِ إنَّمَا قُصِدَ بِهِ الشَّعْرُ وَالْأَظْفَارُ فَقَطْ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى الشَّعْرِ حِنَّاءٌ وَعَلَى الْأَظْفَارِ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ ، وَأَمَّا الْخُفَّانِ فَالْمَقْصُودُ بِالْمَسْحِ الْقَدَمَانِ لَا الْخُفَّانِ ، لِأَنَّ الْخُفَّيْنِ لَوْلَا الْقَدَمَانِ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا فَصَحَّ أَنَّ حُكْمَ الْقَدَمَيْنِ الْغَسْلُ ، إنْ كَانَتَا مَكْشُوفَتَيْنِ ، وَالْمَسْحُ إنْ كَانَتَا فِي خُفَّيْنِ لَمَا كَانَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فَرْقٌ .
ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ : هَبْكُمْ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قُلْتُمْ فِي أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمَسْحِ الْخُفَّانِ ، وَبِالْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ الرَّأْسُ ، وَبِغَسْلِ الْيَدَيْنِ لِلْأَصَابِعِ لَا لِلْأَظْفَارِ .
فَكَانَ مَاذَا ؟ أَوْ مِنْ أَيْنَ وَجَبَ مِنْ هَذَا أَنْ يُعَادَ الْمَسْحُ بِخَلْعِ الْخُفَّيْنِ وَلَا يُعَادَ بِحَلْقِ الشَّعْرِ ؟
قَالَ عَلِيٌّ : فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّهُ يُصَلِّي بِقَدَمَيْنِ لَا مَغْسُولَتَيْنِ وَلَا مَمْسُوحٍ عَلَيْهِمَا - فَبَاطِلٌ ، بَلْ مَا يُصَلِّي - إلَّا عَلَى قَدَمَيْنِ مَمْسُوحٍ عَلَى خُفَّيْنِ عَلَيْهِمَا .
قَالَ عَلِيٌّ : فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ كَمَا بَيَّنَّا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ : يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ فَقَطْ ، فَهُوَ بَاطِلٌ مُتَيَقَّنٌ ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ بِإِقْرَارِهِمْ قَدْ تَمَّ وُضُوءُهُ وَجَازَتْ لَهُ الصَّلَاةُ بِهِ ثُمَّ أَمَرْتُمُوهُ بِغَسْلِ رِجْلَيْهِ فَقَطْ ، وَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا : إمَّا أَنْ يَكُونَ الْوُضُوءُ الَّذِي قَدْ كَانَ تَمَّ قَدْ بَطَلَ أَوْ يَكُونَ لَمْ يَبْطُلْ ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَبْطُلْ فَهَذَا قَوْلُنَا وَإِنْ كَانَ قَدْ بَطَلَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْتَدِئَ الْوُضُوءَ ، وَإِلَّا فَمِنْ الْمُحَالِ الْبَاطِلِ الَّذِي لَا يُخَيَّلُ أَنْ يَكُونَ وُضُوءٌ قَدْ تَمَّ ثُمَّ يُنْقَضُ بَعْضُهُ وَلَا يُنْقَضُ بَعْضُهُ ، هَذَا أَمْرٌ لَا يُوجِبُهُ نَصٌّ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا رَأْيٌ يَصِحُّ .
فَبَطَلَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا وَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُنَا أَوْ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ .
فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا الْبُرْهَانَ قَدْ صَحَّ بِنَصِّ السُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ فَإِنَّهُ قَدْ تَمَّ وُضُوءُهُ وَارْتَفَعَ حَدَثُهُ وَجَازَتْ لَهُ الصَّلَاةُ .
وَأَجْمَعَ هَؤُلَاءِ الْمُخَالِفُونَ لَنَا عَلَى ذَلِكَ فِيمَنْ مَسَحَ رَأْسَهُ وَخُفَّيْهِ ثُمَّ إنَّهُ لَمَّا خَلَعَ 341 خُفَّيْهِ وَعِمَامَتَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ أَوْ تَقَصَّصَ وَقَطَعَ أَظْفَارَهُ : قَالَ قَوْمٌ : قَدْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ ، وَقَالَ آخَرُونَ لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا الْحَلْقَ وَقَصَّ الشَّعْرِ وَقَصَّ الْأَظْفَارِ وَخَلْعَ الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُ حَدَثًا ، وَالطَّهَارَةُ لَا يَنْقُضُهَا إلَّا الْأَحْدَاثُ ، أَوْ نَصٌّ وَارِدٌ بِانْتِقَاضِهَا وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَدَثٌ وَلَا نَصٌّ هَهُنَا عَلَى انْتِقَاضِ طَهَارَتِهِ وَلَا عَلَى انْتِقَاضِ بَعْضِهَا فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ ، وَصَحَّ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ عَلَى طَهَارَتِهِ ، وَأَنَّهُ يُصَلِّي مَا لَمْ يُحْدِثْ ، وَلَا يَلْزَمُهُ مَسْحُ رَأْسِهِ وَلَا أَظْفَارِهِ وَلَا غَسْلُ رِجْلَيْهِ وَلَا إعَادَةُ وُضُوئِهِ ، وَكَانَ مَنْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ كَمَنْ أَوْجَبَهُ مِنْ الْمَشْيِ أَوْ مِنْ الْكَلَامِ أَوْ مِنْ خَلْعِ قَمِيصِهِ وَلَا فَرْقَ . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith