المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الأول
وَقَالَ مَالِكٌ : بَوْلُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَنَجْوُهُ نَجِسٌ ، وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَنَجْوُهُ طَاهِرَانِ إلَّا أَنْ يَشْرَبَ مَاءً نَجِسًا فَبَوْلُهُ حِينَئِذٍ نَجِسٌ ، وَكَذَلِكَ مَا يَأْكُلُ الدَّجَاجُ مِنْ نَجَاسَاتٍ فَخُرْؤُهَا نَجِسٌ . وَقَالَ دَاوُد : بَوْلُ كُلِّ حَيَوَانٍ وَنَجْوُهُ - أُكِلَ لَحْمُهُ أَوْ لَمْ يُؤْكَلْ - فَهُوَ طَاهِرٌ ، حَاشَا بَوْلَ الْإِنْسَانِ وَنَجْوَهُ فَقَطْ فَهُمَا نَجَسَانِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مِثْلَ قَوْلِنَا الَّذِي صَدَّرْنَا بِهِ .
قَالَ عَلِيٌّ : أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَفِي غَايَةِ التَّخْلِيطِ وَالتَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ ، لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِسُنَّةٍ لَا صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ ، وَلَا بِقُرْآنٍ وَلَا بِقِيَاسٍ وَلَا بِدَلِيلِ إجْمَاعٍ وَلَا بِقَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا بِرَأْيٍ سَدِيدٍ ، وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَسَّمَ النَّجَاسَاتِ قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ هَذَا التَّقْسِيمَ بَلْ نَقْطَعُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهَذَا التَّرْتِيبِ فِيهَا أَحَدٌ قَبْلَهُ ، فَوَجَبَ إطْرَاحُ هَذَا الْقَوْلِ بِيَقِينٍ . وَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِنَا فَإِنَّهُمْ قَالُوا : الْأَشْيَاءُ عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى يَأْتِيَ نَصٌّ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ أَوْ تَنْجِيسِهِ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ . قَالُوا : وَلَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ فِي تَنْجِيسِ بَوْلِ شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ وَنَجْوِهِ ، حَاشَا بَوْلَ الْإِنْسَانِ وَنَجْوَهُ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُقَالَ بِتَنْجِيسِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَذَكَرُوا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ { أَنَّ قَوْمًا مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ ، وَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَوْدٍ وَرَاعٍ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهَا فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَبِحَدِيثٍ رُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي فِي الْمَدِينَةِ 171 حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ وَفِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ } وَبِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَمَلَأٌ مِنْ قُرَيْشٍ جُلُوسٌ وَقَدْ نَحَرُوا جَزُورًا لَهُمْ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَيُّكُمْ يَأْخُذُ هَذَا الْفَرْثَ بِدَمِهِ ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى يَضَعَ وَجْهَهُ سَاجِدًا فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِهِ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَانْبَعَثَ أَشْقَاهَا فَأَخَذَ الْفَرْثَ ، فَأَمْهَلَهُ ، فَلَمَّا خَرَّ سَاجِدًا وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ ، فَأُخْبِرَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ جَارِيَةٌ فَجَاءَتْ تَسْعَى فَأَخَذَتْهُ مِنْ ظَهْرِهِ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ : اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَبِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ { ابْنِ عُمَرَ كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُنْتُ شَابًّا عَزَبًا ، وَكَانَتْ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ } . ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ ، كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ " صَلَّى بِنَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ عَلَى مَكَان فِيهِ سِرْقِينٌ هَذَا لَفْظُ سُفْيَانَ ، وَقَالَ شُعْبَةُ " رَوْثُ الدَّوَابِّ " وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ غَيْرِهِمَا " وَالصَّحْرَاءُ أَمَامَهُ ، وَقَالَ : هُنَا وَهُنَاكَ سَوَاءٌ " وَعَنْ أَنَسٍ " لَا بَأْسَ بِبَوْلِ كُلِّ ذَاتِ كِرْشٍ " وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ . قَالَ مَنْصُورٌ : سَأَلْته عَنْ السِّرْقِينِ يُصِيبُ خُفَّ الْإِنْسَانِ أَوْ نَعْلَهُ أَوْ قَدَمَهُ ؟ قَالَ لَا بَأْسَ . وَعَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا قَدْ تَنَحَّى عَنْ بَغْلٍ يَبُولُ ، فَقَالَ لَهُ إبْرَاهِيمُ : مَا عَلَيْك لَوْ أَصَابَك . وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُجِيزُ أَكْلَ الْبَغْلِ . وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : لَا بَأْسَ بِأَبْوَالِ الْغَنَمِ . وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ فِيمَنْ أَصَابَ عِمَامَتَهُ بَوْلُ بَعِيرٍ قَالَا جَمِيعًا : لَا يَغْسِلُهُ . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي وَعَلَى رِجْلَيْهِ أَثَرُ السِّرْقِينِ . وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ : إنَّ لِي عُنَيْقًا تَبْعَرُ فِي مَسْجِدِي .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا الْآثَارُ الَّتِي ذَكَرْنَا فَكُلُّهَا صَحِيحٌ ، إلَّا أَنَّهَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا : 172 أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَغَيْرُ مُسْنَدٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفَ بِبَوْلِ الْكِلَابِ فِي الْمَسْجِدِ فَأَقَرَّهُ ، وَإِذْ لَيْسَ هَذَا فِي الْخَبَرِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ، إذْ لَا حُجَّةَ إلَّا فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْ فِي عَمَلِهِ أَوْ فِيمَا صَحَّ أَنَّهُ عَرَفَهُ فَأَقَرَّهُ ، فَسَقَطَ هَذَا الِاحْتِجَاجُ بِهَذَا الْخَبَرِ ، لَكِنْ يَلْزَمُ مَنْ احْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ { كُنَّا نُخْرِجُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ } أَنْ يَحْتَجَّ بِهَذَا الْخَبَرِ ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى أَنْ يَعْرِفَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ إلَى أَنْ يَعْرِفَ عَمَلَ بَنِي خُدْرَةَ فِي جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْمَدِينَةِ ، وَيَلْزَمُ مَنْ شَنَّعَ لِعَمَلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنْ يَأْخُذَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا ، فَلَا يَرَى أَبْوَالَ الْكِلَابِ وَلَا غَيْرَهَا نَجَسًا ، وَلَكِنَّ هَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ، لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ الْفَرْثَ كَانَ مَعَهُ دَمٌ ، وَلَيْسَ هَذَا دَلِيلًا عِنْدَهُمْ ، عَلَى طَهَارَةِ الدَّمِ ، فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى طَهَارَةِ الْفَرْثِ دُونَ طَهَارَةِ الدَّمِ ، وَكِلَاهُمَا مَذْكُورَانِ مَعًا . وَأَيْضًا فَإِنَّ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ وَزَكَرِيَّا بْنَ أَبِي زَائِدَةَ رَوَوْا كُلُّهُمْ هَذَا الْخَبَرَ عَنْ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ وَهُوَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَذَكَرُوا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَلَى جَزُورٍ ، وَهُمْ أَوْثَقُ وَأَحْفَظُ مِنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ ، وَرِوَايَتُهُمْ زَائِدَةٌ عَلَى رِوَايَتِهِ ، فَإِذَا كَانَ الْفَرْثُ وَالدَّمُ فِي السَّلَى فَهُمَا غَيْرُ طَاهِرَيْنِ ، فَلَا حُكْمَ لَهُمَا ، وَالْقَاطِعُ هَهُنَا أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ كَانَ بِمَكَّةَ قَبْلَ وُرُودِ الْحُكْمِ بِتَحْرِيمِ النَّجْوِ وَالدَّمِ ، فَصَارَ مَنْسُوخًا بِلَا شَكٍّ وَبَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ بِكُلِّ حَالٍ .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إنَّ مَرَابِضَ الْغَنَمِ لَا تَخْلُو مِنْ أَبْوَالِهَا وَلَا مِنْ أَبْعَارِهَا . فَقُلْنَا لَهُمْ : أَمَّا قَوْلُكُمْ إنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ أَبْوَالِهَا وَلَا مِنْ أَبْعَارِهَا فَقَدْ يَبُولُ الرَّاعِي أَيْضًا بَيْنَهَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى طَهَارَةِ بَوْلِ الْإِنْسَانِ .
وَأَيْضًا فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبِيعٍ حَدَّثَنَا قَالَ : ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ كُرَيْبٍ ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُطَيَّبَ وَتُنَظَّفَ } . 173 قَالَ عَلِيٌّ : الدُّورُ هِيَ دُورُ السُّكْنَى وَهِيَ أَيْضًا الْمَحَلَّاتِ . تَقُولُ : دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ ، وَدَارُ بَنِي النَّجَّارِ ، دَارُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ . هَكَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ ، فَقَدْ صَحَّ أَمْرُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِتَنْظِيفِ الْمَسَاجِدِ وَتَطْيِيبِهَا ، وَهَذَا يُوجِبُ الْكَنْسَ لَهَا مِنْ كُلِّ بَوْلٍ وَبَعْرٍ وَغَيْرِهِ .
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا ، فَرُبَّمَا رَأَيْته تَحْضُرُ الصَّلَاةُ فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ ثُمَّ يَؤُمُّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا } فَهَذَا أَمْرٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَنْسِ مَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَنَضْحِهِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ - عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودِ عَنْ { أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ صَنَعَ بَعْضُ عُمُومَتِي لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا وَقَالَ : إنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأْكُلَ فِي بَيْتِي وَتُصَلِّيَ فِيهِ فَأَتَاهُ وَفِي الْبَيْتِ فَحْلٌ مِنْ تِلْكَ الْفُحُولِ - يَعْنِي حَصِيرًا - فَأَمَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِجَانِبٍ مِنْهُ فَكُنِسَ وَرُشَّ فَصَلَّى وَصَلَّيْنَا مَعَهُ } فَهَذَا أَمْرٌ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِكَنْسِ مَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَرَشِّهِ بِالْمَاءِ ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ مَرَابِضُ الْغَنَمِ وَغَيْرُهَا . وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ نَفْسَهُ إنَّمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ } فَصَحَّ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ قَبْلَ وُرُودِ الْأَخْبَارِ بِاجْتِنَابِ كُلِّ نَجْوٍ وَبَوْلٍ . 174 وَأَيْضًا فَإِنَّ يُونُسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : ثنا أَبُو عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا لَمْ تَجِدُوا إلَّا مَرَابِضَ الْغَنَمِ وَأَعْطَانَ الْإِبِلِ ، فَصَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ، وَلَا تُصَلُّوا فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ } .
حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ : أَنُصَلِّي فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ ؟ فَقَالَ لَا ، قَالَ : أَنُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ؟ قَالَ نَعَمْ } . قَالَ عَلِيٌّ عَبْدُ اللَّهِ هَذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثِقَةٌ كُوفِيٌّ وَلِيَ قَضَاءَ الرَّيِّ .
حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ ثنا أَبُو مَعْمَرٍ ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ ثنا يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذَا أَتَيْتُمْ عَلَى مَرَابِضِ الْغَنَمِ فَصَلُّوا فِيهَا ، وَإِذَا أَتَيْتُمْ عَلَى مَبَارِكِ الْإِبِلِ فَلَا تُصَلُّوا فِيهَا ، فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينِ } .
قَالَ عَلِيٌّ : أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَفِي غَايَةِ التَّخْلِيطِ وَالتَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ ، لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِسُنَّةٍ لَا صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ ، وَلَا بِقُرْآنٍ وَلَا بِقِيَاسٍ وَلَا بِدَلِيلِ إجْمَاعٍ وَلَا بِقَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا بِرَأْيٍ سَدِيدٍ ، وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَسَّمَ النَّجَاسَاتِ قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ هَذَا التَّقْسِيمَ بَلْ نَقْطَعُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهَذَا التَّرْتِيبِ فِيهَا أَحَدٌ قَبْلَهُ ، فَوَجَبَ إطْرَاحُ هَذَا الْقَوْلِ بِيَقِينٍ . وَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِنَا فَإِنَّهُمْ قَالُوا : الْأَشْيَاءُ عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى يَأْتِيَ نَصٌّ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ أَوْ تَنْجِيسِهِ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ . قَالُوا : وَلَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ فِي تَنْجِيسِ بَوْلِ شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ وَنَجْوِهِ ، حَاشَا بَوْلَ الْإِنْسَانِ وَنَجْوَهُ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُقَالَ بِتَنْجِيسِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَذَكَرُوا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ { أَنَّ قَوْمًا مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ ، وَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَوْدٍ وَرَاعٍ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهَا فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَبِحَدِيثٍ رُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي فِي الْمَدِينَةِ 171 حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ وَفِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ } وَبِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَمَلَأٌ مِنْ قُرَيْشٍ جُلُوسٌ وَقَدْ نَحَرُوا جَزُورًا لَهُمْ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَيُّكُمْ يَأْخُذُ هَذَا الْفَرْثَ بِدَمِهِ ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى يَضَعَ وَجْهَهُ سَاجِدًا فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِهِ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَانْبَعَثَ أَشْقَاهَا فَأَخَذَ الْفَرْثَ ، فَأَمْهَلَهُ ، فَلَمَّا خَرَّ سَاجِدًا وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ ، فَأُخْبِرَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ جَارِيَةٌ فَجَاءَتْ تَسْعَى فَأَخَذَتْهُ مِنْ ظَهْرِهِ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ : اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَبِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ { ابْنِ عُمَرَ كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُنْتُ شَابًّا عَزَبًا ، وَكَانَتْ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ } . ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ ، كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ " صَلَّى بِنَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ عَلَى مَكَان فِيهِ سِرْقِينٌ هَذَا لَفْظُ سُفْيَانَ ، وَقَالَ شُعْبَةُ " رَوْثُ الدَّوَابِّ " وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ غَيْرِهِمَا " وَالصَّحْرَاءُ أَمَامَهُ ، وَقَالَ : هُنَا وَهُنَاكَ سَوَاءٌ " وَعَنْ أَنَسٍ " لَا بَأْسَ بِبَوْلِ كُلِّ ذَاتِ كِرْشٍ " وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ . قَالَ مَنْصُورٌ : سَأَلْته عَنْ السِّرْقِينِ يُصِيبُ خُفَّ الْإِنْسَانِ أَوْ نَعْلَهُ أَوْ قَدَمَهُ ؟ قَالَ لَا بَأْسَ . وَعَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا قَدْ تَنَحَّى عَنْ بَغْلٍ يَبُولُ ، فَقَالَ لَهُ إبْرَاهِيمُ : مَا عَلَيْك لَوْ أَصَابَك . وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُجِيزُ أَكْلَ الْبَغْلِ . وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : لَا بَأْسَ بِأَبْوَالِ الْغَنَمِ . وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ فِيمَنْ أَصَابَ عِمَامَتَهُ بَوْلُ بَعِيرٍ قَالَا جَمِيعًا : لَا يَغْسِلُهُ . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي وَعَلَى رِجْلَيْهِ أَثَرُ السِّرْقِينِ . وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ : إنَّ لِي عُنَيْقًا تَبْعَرُ فِي مَسْجِدِي .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا الْآثَارُ الَّتِي ذَكَرْنَا فَكُلُّهَا صَحِيحٌ ، إلَّا أَنَّهَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا : 172 أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَغَيْرُ مُسْنَدٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفَ بِبَوْلِ الْكِلَابِ فِي الْمَسْجِدِ فَأَقَرَّهُ ، وَإِذْ لَيْسَ هَذَا فِي الْخَبَرِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ، إذْ لَا حُجَّةَ إلَّا فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْ فِي عَمَلِهِ أَوْ فِيمَا صَحَّ أَنَّهُ عَرَفَهُ فَأَقَرَّهُ ، فَسَقَطَ هَذَا الِاحْتِجَاجُ بِهَذَا الْخَبَرِ ، لَكِنْ يَلْزَمُ مَنْ احْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ { كُنَّا نُخْرِجُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ } أَنْ يَحْتَجَّ بِهَذَا الْخَبَرِ ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى أَنْ يَعْرِفَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ إلَى أَنْ يَعْرِفَ عَمَلَ بَنِي خُدْرَةَ فِي جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْمَدِينَةِ ، وَيَلْزَمُ مَنْ شَنَّعَ لِعَمَلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنْ يَأْخُذَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا ، فَلَا يَرَى أَبْوَالَ الْكِلَابِ وَلَا غَيْرَهَا نَجَسًا ، وَلَكِنَّ هَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ، لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ الْفَرْثَ كَانَ مَعَهُ دَمٌ ، وَلَيْسَ هَذَا دَلِيلًا عِنْدَهُمْ ، عَلَى طَهَارَةِ الدَّمِ ، فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى طَهَارَةِ الْفَرْثِ دُونَ طَهَارَةِ الدَّمِ ، وَكِلَاهُمَا مَذْكُورَانِ مَعًا . وَأَيْضًا فَإِنَّ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ وَزَكَرِيَّا بْنَ أَبِي زَائِدَةَ رَوَوْا كُلُّهُمْ هَذَا الْخَبَرَ عَنْ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ وَهُوَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَذَكَرُوا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَلَى جَزُورٍ ، وَهُمْ أَوْثَقُ وَأَحْفَظُ مِنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ ، وَرِوَايَتُهُمْ زَائِدَةٌ عَلَى رِوَايَتِهِ ، فَإِذَا كَانَ الْفَرْثُ وَالدَّمُ فِي السَّلَى فَهُمَا غَيْرُ طَاهِرَيْنِ ، فَلَا حُكْمَ لَهُمَا ، وَالْقَاطِعُ هَهُنَا أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ كَانَ بِمَكَّةَ قَبْلَ وُرُودِ الْحُكْمِ بِتَحْرِيمِ النَّجْوِ وَالدَّمِ ، فَصَارَ مَنْسُوخًا بِلَا شَكٍّ وَبَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ بِكُلِّ حَالٍ .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إنَّ مَرَابِضَ الْغَنَمِ لَا تَخْلُو مِنْ أَبْوَالِهَا وَلَا مِنْ أَبْعَارِهَا . فَقُلْنَا لَهُمْ : أَمَّا قَوْلُكُمْ إنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ أَبْوَالِهَا وَلَا مِنْ أَبْعَارِهَا فَقَدْ يَبُولُ الرَّاعِي أَيْضًا بَيْنَهَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى طَهَارَةِ بَوْلِ الْإِنْسَانِ .
وَأَيْضًا فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبِيعٍ حَدَّثَنَا قَالَ : ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ كُرَيْبٍ ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُطَيَّبَ وَتُنَظَّفَ } . 173 قَالَ عَلِيٌّ : الدُّورُ هِيَ دُورُ السُّكْنَى وَهِيَ أَيْضًا الْمَحَلَّاتِ . تَقُولُ : دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ ، وَدَارُ بَنِي النَّجَّارِ ، دَارُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ . هَكَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ ، فَقَدْ صَحَّ أَمْرُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِتَنْظِيفِ الْمَسَاجِدِ وَتَطْيِيبِهَا ، وَهَذَا يُوجِبُ الْكَنْسَ لَهَا مِنْ كُلِّ بَوْلٍ وَبَعْرٍ وَغَيْرِهِ .
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا ، فَرُبَّمَا رَأَيْته تَحْضُرُ الصَّلَاةُ فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ ثُمَّ يَؤُمُّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا } فَهَذَا أَمْرٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَنْسِ مَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَنَضْحِهِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ - عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودِ عَنْ { أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ صَنَعَ بَعْضُ عُمُومَتِي لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا وَقَالَ : إنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأْكُلَ فِي بَيْتِي وَتُصَلِّيَ فِيهِ فَأَتَاهُ وَفِي الْبَيْتِ فَحْلٌ مِنْ تِلْكَ الْفُحُولِ - يَعْنِي حَصِيرًا - فَأَمَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِجَانِبٍ مِنْهُ فَكُنِسَ وَرُشَّ فَصَلَّى وَصَلَّيْنَا مَعَهُ } فَهَذَا أَمْرٌ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِكَنْسِ مَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَرَشِّهِ بِالْمَاءِ ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ مَرَابِضُ الْغَنَمِ وَغَيْرُهَا . وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ نَفْسَهُ إنَّمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ } فَصَحَّ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ قَبْلَ وُرُودِ الْأَخْبَارِ بِاجْتِنَابِ كُلِّ نَجْوٍ وَبَوْلٍ . 174 وَأَيْضًا فَإِنَّ يُونُسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : ثنا أَبُو عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا لَمْ تَجِدُوا إلَّا مَرَابِضَ الْغَنَمِ وَأَعْطَانَ الْإِبِلِ ، فَصَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ، وَلَا تُصَلُّوا فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ } .
حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ : أَنُصَلِّي فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ ؟ فَقَالَ لَا ، قَالَ : أَنُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ؟ قَالَ نَعَمْ } . قَالَ عَلِيٌّ عَبْدُ اللَّهِ هَذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثِقَةٌ كُوفِيٌّ وَلِيَ قَضَاءَ الرَّيِّ .
حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ ثنا أَبُو مَعْمَرٍ ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ ثنا يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذَا أَتَيْتُمْ عَلَى مَرَابِضِ الْغَنَمِ فَصَلُّوا فِيهَا ، وَإِذَا أَتَيْتُمْ عَلَى مَبَارِكِ الْإِبِلِ فَلَا تُصَلُّوا فِيهَا ، فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينِ } .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث