المغني
المغني · الجزء الأول
( 20 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ ، وَهُوَ خَمْسُ قِرَبٍ ، فَوَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَلَمْ يُوجَدْ لَهَا طَعْمٌ وَلَا لَوْنٌ وَلَا رَائِحَةٌ ، فَهُوَ طَاهِرٌ ) . وَالْقُلَّةُ : هِيَ الْجَرَّةُ ، سُمِّيت قُلَّةً لِأَنَّهَا تُقَلُّ بِالْأَيْدِي ، أَيْ تُحْمَلُ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى إذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا } وَيَقَعُ هَذَا الِاسْمُ عَلَى الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ .
وَالْمُرَادُ بِهَا هَاهُنَا قُلَّتَانِ مِنْ قِلَالِ هَجَرَ ، وَهُمَا خَمْسُ قِرَبٍ ، كُلُّ قِرْبَةٍ مِائَةُ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ ، فَتَكُونُ الْقُلَّتَانِ خَمْسَمِائَةِ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ . هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّ ; لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْت قِلَالَ هَجَرَ ، الْقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا . فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يُجْعَلَ قِرْبَتَيْنِ وَنِصْفًا .
وَرَوَى الْأَثْرَمُ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْقُلَّتَيْنِ أَرْبَعُ قِرَبٍ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ فِي " كِتَابِهِ " ; وَذَلِكَ لِمَا رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ ، قَالَ : رَأَيْت قِلَالَ هَجَرَ ، وَأَظُنُّ كُلَّ قِلَّةٍ تَأْخُذُ قُرْبَيْنِ . وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ .
وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِتَحْدِيدِ الْمَاءِ بِالْقِرَبِ عَلَى تَقْدِيرِ كُلِّ قِرْبَةٍ بِمِائَةِ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ ، لَا 31 أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا ، وَلَعَلَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ مِمَّنْ اخْتَبَرَ قِرَبَ الْحِجَازِ ، وَعَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ مِقْدَارُهَا .
وَإِنَّمَا خَصَصْنَا هَذَا بِقِلَالِ هَجَرَ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مُبَيَّنًا ، رَوَاهُ الْخَطَّابِيُّ ، فِي " مَعَالِمِ السُّنَنِ " بِإِسْنَادِهِ إلَى ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا { إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَالثَّانِي أَنَّ قِلَالَ هَجَرَ أَكْبَرُ مَا يَكُونُ مِنْ الْقِلَالِ ، وَأَشْهُرُهَا فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ قَالَ : وَهِيَ مَشْهُورَةُ الصَّنْعَةِ ، مَعْلُومَةُ الْمِقْدَارِ . لَا تَخْتَلِفُ كَمَا لَا تَخْتَلِفُ الصِّيعَانُ وَالْمَكَايِيلُ ; وَلِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَقَعُ بِالْمَجْهُولِ .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هِيَ الْحَبَابُ ، وَهِيَ مُسْتَفِيضَةٌ مَعْرُوفَةٌ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ لَفْظُ الْقُلَّتَيْنِ عَلَيْهَا ; لِشُهْرَتِهَا وَكِبَرِهَا ، فَإِنَّ كُلَّ مَعْدُودٍ جُعِلَ مِقْدَارًا وَاحِدًا لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا أَكْبَرَهَا ; لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الْعِلْمِ ، وَأَقَلُّ فِي الْعَدَدِ ، وَلِذَلِكَ جُعِلَ نِصَابُ الزَّكَاةِ بِالْأَوْسُقِ ، دُونَ الْآصُعِ وَالْأَمْدَادِ .
وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِصَرِيحِهَا عَلَى أَنَّ مَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِمَا وَقَعَ فِيهِ لَا يَنْجُسُ ، وَبِمَفْهُومِهَا عَلَى أَنَّ مَا تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ نَجِسٌ وَإِنْ كَثُرَ ، وَأَنَّ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يَنْجُسُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ .
فَأَمَّا نَجَاسَةُ مَا تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ ، إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَغَيَّرَتْ لِلْمَاءِ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رَائِحَةً ، أَنَّهُ نَجِسٌ مَا دَامَ كَذَلِكَ . وَقَدْ رَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ } . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .
وَقَالَ حَرْبُ بْنُ إسْمَاعِيلَ : سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْمَاءِ إذَا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ ، قَالَ : لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَشْرَبُ ، وَلَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْمَيْتَةَ ، فَإِذَا صَارَتْ الْمَيْتَةُ فِي الْمَاءِ فَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ ، فَذَلِكَ طَعْمُ الْمَيْتَةِ وَرِيحُهَا ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ ، وَذَلِكَ أَمْرٌ ظَاهِرٌ .
وَقَالَ الْخَلَّالُ : إنَّمَا قَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ ; لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَرْوِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، وَرِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ ، وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ رِشْدِينُ . وَأَمَّا مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ إذَا لَاقَتْهُ النَّجَاسَةُ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِهَا ، فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَنْجُسُ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ حُذَيْفَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالُوا : الْمَاءُ لَا يَنْجُسُ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَعَطَاءٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانِ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ; لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ .
وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، قَالَ : { قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ ؟ - وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ ، وَلُحُومُ الْكِلَابِ ، وَالنَّتِنُ - فَقَالَ : إنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ . } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ . قَالَ الْخَلَّالُ : قَالَ أَحْمَدُ : حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ صَحِيحٌ . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سُئِلَ عَنْ الْحِيَاضِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، تَرِدُهَا السِّبَاعُ وَالْكِلَابُ وَالْحُمُرُ ، وَعَنْ الطَّهَارَةِ بِهَا ، فَقَالَ : لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا ، وَلَنَا مَا غَبَرَ طَهُورٌ } وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ; وَلِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ إحْدَى صِفَاتُ النَّجَاسَةِ ، فَلَمْ يَنْجُسْ بِهَا كَالزَّائِدِ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ . وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ 32 عَنْ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ ، فَقَالَ إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ } . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي لَفْظٍ : { إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ } .
وَتَحْدِيدُهُ بِالْقُلَّتَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا دُونَهُمَا يَنْجُسُ ، إذْ لَوْ اسْتَوَى حُكْمُ الْقُلَّتَيْنِ وَمَا دُونَهُمَا لَمْ يَكُنْ التَّحْدِيدُ مُفِيدًا .
وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ } . فَلَوْلَا أَنَّهُ يُفِيدُهُ مَنْعًا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ . أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ ، وَإِرَاقَةِ سُؤْرِهِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا تَغَيَّرَ وَمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ ، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ التَّغَيُّرِ ، وَخَبَرُ أَبِي أُمَامَةَ ضَعِيفٌ ، وَخَبَرُ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَالْخَبَرُ الْآخَرُ مَحْمُولَانِ عَلَى الْمَاءِ الْكَثِيرِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَا تَغَيَّرَ نَجِسٌ ، أَوْ نَخُصُّهُمَا بِخَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ ، فَإِنَّهُ أَخُصُّ مِنْهُمَا ، وَالْخَاصُّ يُقَدَّمَ عَلَى الْعَامِّ .
وَأَمَّا الزَّائِدُ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ ، إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ ، وَلَمْ تَكُنْ النَّجَاسَةُ بَوْلًا أَوْ عَذِرَةً ، فَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي طَهَارَتِهِ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ حَكَيْنَا عَنْهُمْ أَنَّ الْيَسِيرَ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ .
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا كَانَ الْمَاءُ ذَنُوبَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إلَى أَنَّ الْكَثِيرَ يَنْجُسُ بِالنَّجَاسَةِ ، إلَّا أَنْ يَبْلُغَ حَدًّا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ . وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّهِ ; فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَا إذَا حُرِّكَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ لَمْ يَتَحَرَّكْ الْآخَرُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَا بَلَغَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ فِي عَشَرَةِ أَذْرُعٍ ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ يَنْجُسُ ، وَإِنْ بَلَغَ أَلْفَ قُلَّةٍ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ } . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، فَنَهَى عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ الْمَاءِ الرَّاكِدِ بَعْدَ الْبَوْلِ فِيهِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ; وَلِأَنَّهُ مَاءٌ حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَا يُؤْمَنُ انْتِشَارُهَا إلَيْهِ ، فَيَنْجُسُ بِهَا كَالْيَسِيرِ .
وَلَنَا خَبَرُ الْقُلَّتَيْنِ ، وَبِئْرِ بُضَاعَةَ ، اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا ; فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ } ، مَعَ قَوْلِهِمْ لَهُ : أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحَيْضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَالنَّتِنُ ؟ وَبِئْرُ بُضَاعَةَ لَا يَبْلُغُ الْحَدَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ . قَالَ أَبُو دَاوُد : قَدَّرْت بِئْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي ، مَدَدْته عَلَيْهَا ، ثُمَّ ذَرَعْته ، فَإِذَا عَرْضُهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ ، وَسَأَلْت الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ : هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : لَا .
وَسَأَلْت قَيِّمَهَا عَنْ عُمْقِهَا ، فَقُلْت : أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيهَا الْمَاءُ ؟ قَالَ : إلَى الْعَانَةِ . قُلْت : فَإِذَا نَقَصَ . قَالَ : دُونَ الْعَوْرَةِ ; وَلِأَنَّهُ مَاءٌ يَبْلُغُ الْقُلَّتَيْنِ ، فَأَشْبَهَ مَا زَادَ عَلَى عَشَرَةِ أَذْرُعٍ ، وَحَدِيثُهُمْ عَامٌّ وَحَدِيثُنَا خَاصٌّ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ .
الثَّانِي ، أَنَّ حَدِيثَهُمْ لَا بُدَّ مِنْ تَخْصِيصِهِ ، فَإِنَّ مَا زَادَ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْوُضُوءِ بِهِ اتِّفَاقًا ، وَإِذَا وَجَبَ تَخْصِيصُهُ كَانَ تَخْصِيصُهُ بُقُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى مِنْ تَخْصِيصِهِ بِالرَّأْيِ وَالتَّشَهِّي مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ ، وَلَا دَلِيلٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ; وَلِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْحَدِّ تَقْدِيرٌ طَرِيقُهُ التَّوْقِيفُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ ; وَلِأَنَّ حَدِيثَهُمْ خَاصٌّ فِي الْبَوْلِ ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَنَقْصُرُ الْحُكْمَ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ النَّصُّ ، وَهُوَ الْبَوْلُ ; لِأَنَّ لَهُ مِنْ التَّأْكِيدِ وَالِانْتِشَارِ فِي الْمَاءِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
فَإِنْ قِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : { لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ } . أَيْ لَمْ يَدْفَعْ الْخَبَثَ عَنْ نَفْسِهِ ، أَيْ أَنَّهُ يَنْجُسُ بِالْوَاقِعِ فِيهِ . قُلْنَا هَذَا فَاسِدٌ لِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا ، أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ { لَمْ يَنْجُسْ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ .
33 الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنَّ مَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ فِي الْقِلَّةِ يَنْجُسُ لَكَانَ مَا فَوْقَهُمَا لَا يَنْجُسُ ، لِتَحَقُّقِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْقُلَّتَيْنِ فَصْلًا بَيْنَ مَا يَتَنَجَّسُ وَمَا لَمْ يَتَنَجَّسْ ; فَلَوْ سَوَّيْنَا بَيْنَهُمَا لَمْ يَبْقَ فَصْلٌ .
الثَّالِثُ أَنَّ مُقْتَضَاهُ فِي اللُّغَةِ أَنَّهُ يَدْفَعُ الْخَبَثَ عَنْ نَفْسِهِ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : فُلَانٌ لَا يَحْتَمِلُ الضَّيْمَ . أَيْ يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( 21 ) فَصْلٌ : اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا : هَلْ الْقُلَّتَانِ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ تَحْدِيدًا أَوْ تَقْرِيبًا ؟ قَالَ : أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ : الصَّحِيحُ أَنَّهَا تَحْدِيدٌ ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْقَاضِي ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ اعْتِبَارَ ذَلِكَ كَانَ احْتِيَاطًا ، وَمَا اُعْتُبِرَ احْتِيَاطًا كَانَ وَاجِبًا ، كَغَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ مَعَ الْوَجْهِ ، وَإِمْسَاكِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ مَعَ النَّهَارِ فِي الصَّوْمِ ; وَلِأَنَّهُ قَدْرٌ يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ ، فَاعْتُبِرَ تَحْقِيقُهُ كَالْعَدَدِ فِي الْغَسَلَاتِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ ; لِأَنَّ الَّذِينَ نَقَلُوا تَقْدِيرَ الْقِلَالِ لَمْ يَضْبِطُوهُمَا بِحَدٍّ ، إنَّمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : الْقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُقَيْلٍ : أَظُنُّهَا تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ .
وَهَذَا لَا تَحْدِيدَ فِيهِ ; فَإِنَّ قَوْلَهُمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا قَرَّبَا الْأَمْرَ ، وَالشَّيْءُ الزَّائِدُ عَنْ الْقِرْبَتَيْنِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، مَعَ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْمَجْهُولِ ، وَالظَّاهِرُ قِلَّتُهُ ; لِأَنَّ لَفْظَهُ يَدُلُّ عَلَى تَقَارُبِ مَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ، وَكُلَّمَا قَلَّ الشَّيْءُ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْقِرْبَتَيْنِ ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى هَذَا ; فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْقُلَّةَ قِرْبَتَانِ ، وَرُوِيَ قِرْبَتَانِ وَنِصْفٌ ، وَرُوِيَ : وَثُلُثٌ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحُدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا .
ثُمَّ لَيْسَ لِلْقِرْبَةِ حَدٌّ مَعْلُومٌ ; فَإِنَّ الْقِرَبَ تَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، فَلَا يَكَادُ قِرْبَتَانِ يَتَّفِقَانِ فِي حَدٍّ وَاحِدٍ ، وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا مُقَدَّرًا بِالْقِرَبِ ، أَوْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ مَحْدُودٍ بِالْقِرَبِ ; لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ; وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ النَّاسَ لَا يَكِيلُونَ الْمَاءَ وَلَا يَزِنُونَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ لِيُعَرِّفَهُمْ الْحَدَّ بِمَا لَا يُعَرَّفُ بِهِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ مَاءً فِيهِ نَجَاسَةٌ فَظَنَّهُ مُقَارِبًا لِلْقُلَّتَيْنِ تَوَضَّأَ مِنْهُ ، وَإِنْ ظَنَّهُ نَاقِصًا عَنْهُمَا مِنْ غَيْرِ مُقَارَبَةٍ لَهُمَا تَرَكَهُ .
وَفَائِدَةُ هَذَا ، أَنَّ مَنْ اعْتَبَرَ التَّحْدِيدَ ، فَنَقَصَ عَنْ الْحَدِّ شَيْئًا يَسِيرًا ، لَمْ يُعْفَ عَنْهُ ، وَنَجِسَ بِوُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ ، وَمَنْ قَالَ بِالتَّقْرِيبِ عُفِيَ عَنْ النَّقْصِ الْيَسِيرِ عِنْدَهُ ، وَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِمَا يُقَارِبُ الْقُلَّتَيْنِ ، إنْ شَكَّ فِي بُلُوغِ الْمَاءِ قَدْرًا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ أَوْ لَا يَدْفَعُهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ طَاهِرًا قَبْلَ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ ، وَشَكَّ هَلْ يَنْجُسُ بِهِ أَوْ لَا ؟ فَلَا يَزُولُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ .
وَالثَّانِي يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ قِلَّةُ الْمَاءِ ، فَنَبْنِي عَلَيْهِ ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ النَّجَاسَةُ .
وَالْمُرَادُ بِهَا هَاهُنَا قُلَّتَانِ مِنْ قِلَالِ هَجَرَ ، وَهُمَا خَمْسُ قِرَبٍ ، كُلُّ قِرْبَةٍ مِائَةُ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ ، فَتَكُونُ الْقُلَّتَانِ خَمْسَمِائَةِ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ . هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّ ; لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْت قِلَالَ هَجَرَ ، الْقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا . فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يُجْعَلَ قِرْبَتَيْنِ وَنِصْفًا .
وَرَوَى الْأَثْرَمُ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْقُلَّتَيْنِ أَرْبَعُ قِرَبٍ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ فِي " كِتَابِهِ " ; وَذَلِكَ لِمَا رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ ، قَالَ : رَأَيْت قِلَالَ هَجَرَ ، وَأَظُنُّ كُلَّ قِلَّةٍ تَأْخُذُ قُرْبَيْنِ . وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ .
وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِتَحْدِيدِ الْمَاءِ بِالْقِرَبِ عَلَى تَقْدِيرِ كُلِّ قِرْبَةٍ بِمِائَةِ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ ، لَا 31 أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا ، وَلَعَلَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ مِمَّنْ اخْتَبَرَ قِرَبَ الْحِجَازِ ، وَعَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ مِقْدَارُهَا .
وَإِنَّمَا خَصَصْنَا هَذَا بِقِلَالِ هَجَرَ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مُبَيَّنًا ، رَوَاهُ الْخَطَّابِيُّ ، فِي " مَعَالِمِ السُّنَنِ " بِإِسْنَادِهِ إلَى ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا { إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَالثَّانِي أَنَّ قِلَالَ هَجَرَ أَكْبَرُ مَا يَكُونُ مِنْ الْقِلَالِ ، وَأَشْهُرُهَا فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ قَالَ : وَهِيَ مَشْهُورَةُ الصَّنْعَةِ ، مَعْلُومَةُ الْمِقْدَارِ . لَا تَخْتَلِفُ كَمَا لَا تَخْتَلِفُ الصِّيعَانُ وَالْمَكَايِيلُ ; وَلِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَقَعُ بِالْمَجْهُولِ .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هِيَ الْحَبَابُ ، وَهِيَ مُسْتَفِيضَةٌ مَعْرُوفَةٌ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ لَفْظُ الْقُلَّتَيْنِ عَلَيْهَا ; لِشُهْرَتِهَا وَكِبَرِهَا ، فَإِنَّ كُلَّ مَعْدُودٍ جُعِلَ مِقْدَارًا وَاحِدًا لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا أَكْبَرَهَا ; لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الْعِلْمِ ، وَأَقَلُّ فِي الْعَدَدِ ، وَلِذَلِكَ جُعِلَ نِصَابُ الزَّكَاةِ بِالْأَوْسُقِ ، دُونَ الْآصُعِ وَالْأَمْدَادِ .
وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِصَرِيحِهَا عَلَى أَنَّ مَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِمَا وَقَعَ فِيهِ لَا يَنْجُسُ ، وَبِمَفْهُومِهَا عَلَى أَنَّ مَا تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ نَجِسٌ وَإِنْ كَثُرَ ، وَأَنَّ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يَنْجُسُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ .
فَأَمَّا نَجَاسَةُ مَا تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ ، إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَغَيَّرَتْ لِلْمَاءِ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رَائِحَةً ، أَنَّهُ نَجِسٌ مَا دَامَ كَذَلِكَ . وَقَدْ رَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ } . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .
وَقَالَ حَرْبُ بْنُ إسْمَاعِيلَ : سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْمَاءِ إذَا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ ، قَالَ : لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَشْرَبُ ، وَلَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْمَيْتَةَ ، فَإِذَا صَارَتْ الْمَيْتَةُ فِي الْمَاءِ فَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ ، فَذَلِكَ طَعْمُ الْمَيْتَةِ وَرِيحُهَا ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ ، وَذَلِكَ أَمْرٌ ظَاهِرٌ .
وَقَالَ الْخَلَّالُ : إنَّمَا قَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ ; لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَرْوِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، وَرِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ ، وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ رِشْدِينُ . وَأَمَّا مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ إذَا لَاقَتْهُ النَّجَاسَةُ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِهَا ، فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَنْجُسُ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ حُذَيْفَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالُوا : الْمَاءُ لَا يَنْجُسُ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَعَطَاءٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانِ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ; لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ .
وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، قَالَ : { قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ ؟ - وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ ، وَلُحُومُ الْكِلَابِ ، وَالنَّتِنُ - فَقَالَ : إنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ . } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ . قَالَ الْخَلَّالُ : قَالَ أَحْمَدُ : حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ صَحِيحٌ . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سُئِلَ عَنْ الْحِيَاضِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، تَرِدُهَا السِّبَاعُ وَالْكِلَابُ وَالْحُمُرُ ، وَعَنْ الطَّهَارَةِ بِهَا ، فَقَالَ : لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا ، وَلَنَا مَا غَبَرَ طَهُورٌ } وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ; وَلِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ إحْدَى صِفَاتُ النَّجَاسَةِ ، فَلَمْ يَنْجُسْ بِهَا كَالزَّائِدِ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ . وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ 32 عَنْ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ ، فَقَالَ إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ } . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي لَفْظٍ : { إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ } .
وَتَحْدِيدُهُ بِالْقُلَّتَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا دُونَهُمَا يَنْجُسُ ، إذْ لَوْ اسْتَوَى حُكْمُ الْقُلَّتَيْنِ وَمَا دُونَهُمَا لَمْ يَكُنْ التَّحْدِيدُ مُفِيدًا .
وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ } . فَلَوْلَا أَنَّهُ يُفِيدُهُ مَنْعًا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ . أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ ، وَإِرَاقَةِ سُؤْرِهِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا تَغَيَّرَ وَمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ ، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ التَّغَيُّرِ ، وَخَبَرُ أَبِي أُمَامَةَ ضَعِيفٌ ، وَخَبَرُ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَالْخَبَرُ الْآخَرُ مَحْمُولَانِ عَلَى الْمَاءِ الْكَثِيرِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَا تَغَيَّرَ نَجِسٌ ، أَوْ نَخُصُّهُمَا بِخَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ ، فَإِنَّهُ أَخُصُّ مِنْهُمَا ، وَالْخَاصُّ يُقَدَّمَ عَلَى الْعَامِّ .
وَأَمَّا الزَّائِدُ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ ، إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ ، وَلَمْ تَكُنْ النَّجَاسَةُ بَوْلًا أَوْ عَذِرَةً ، فَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي طَهَارَتِهِ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ حَكَيْنَا عَنْهُمْ أَنَّ الْيَسِيرَ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ .
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا كَانَ الْمَاءُ ذَنُوبَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إلَى أَنَّ الْكَثِيرَ يَنْجُسُ بِالنَّجَاسَةِ ، إلَّا أَنْ يَبْلُغَ حَدًّا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ . وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّهِ ; فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَا إذَا حُرِّكَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ لَمْ يَتَحَرَّكْ الْآخَرُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَا بَلَغَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ فِي عَشَرَةِ أَذْرُعٍ ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ يَنْجُسُ ، وَإِنْ بَلَغَ أَلْفَ قُلَّةٍ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ } . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، فَنَهَى عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ الْمَاءِ الرَّاكِدِ بَعْدَ الْبَوْلِ فِيهِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ; وَلِأَنَّهُ مَاءٌ حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَا يُؤْمَنُ انْتِشَارُهَا إلَيْهِ ، فَيَنْجُسُ بِهَا كَالْيَسِيرِ .
وَلَنَا خَبَرُ الْقُلَّتَيْنِ ، وَبِئْرِ بُضَاعَةَ ، اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا ; فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ } ، مَعَ قَوْلِهِمْ لَهُ : أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحَيْضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَالنَّتِنُ ؟ وَبِئْرُ بُضَاعَةَ لَا يَبْلُغُ الْحَدَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ . قَالَ أَبُو دَاوُد : قَدَّرْت بِئْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي ، مَدَدْته عَلَيْهَا ، ثُمَّ ذَرَعْته ، فَإِذَا عَرْضُهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ ، وَسَأَلْت الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ : هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : لَا .
وَسَأَلْت قَيِّمَهَا عَنْ عُمْقِهَا ، فَقُلْت : أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيهَا الْمَاءُ ؟ قَالَ : إلَى الْعَانَةِ . قُلْت : فَإِذَا نَقَصَ . قَالَ : دُونَ الْعَوْرَةِ ; وَلِأَنَّهُ مَاءٌ يَبْلُغُ الْقُلَّتَيْنِ ، فَأَشْبَهَ مَا زَادَ عَلَى عَشَرَةِ أَذْرُعٍ ، وَحَدِيثُهُمْ عَامٌّ وَحَدِيثُنَا خَاصٌّ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ .
الثَّانِي ، أَنَّ حَدِيثَهُمْ لَا بُدَّ مِنْ تَخْصِيصِهِ ، فَإِنَّ مَا زَادَ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْوُضُوءِ بِهِ اتِّفَاقًا ، وَإِذَا وَجَبَ تَخْصِيصُهُ كَانَ تَخْصِيصُهُ بُقُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى مِنْ تَخْصِيصِهِ بِالرَّأْيِ وَالتَّشَهِّي مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ ، وَلَا دَلِيلٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ; وَلِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْحَدِّ تَقْدِيرٌ طَرِيقُهُ التَّوْقِيفُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ ; وَلِأَنَّ حَدِيثَهُمْ خَاصٌّ فِي الْبَوْلِ ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَنَقْصُرُ الْحُكْمَ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ النَّصُّ ، وَهُوَ الْبَوْلُ ; لِأَنَّ لَهُ مِنْ التَّأْكِيدِ وَالِانْتِشَارِ فِي الْمَاءِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
فَإِنْ قِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : { لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ } . أَيْ لَمْ يَدْفَعْ الْخَبَثَ عَنْ نَفْسِهِ ، أَيْ أَنَّهُ يَنْجُسُ بِالْوَاقِعِ فِيهِ . قُلْنَا هَذَا فَاسِدٌ لِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا ، أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ { لَمْ يَنْجُسْ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ .
33 الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنَّ مَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ فِي الْقِلَّةِ يَنْجُسُ لَكَانَ مَا فَوْقَهُمَا لَا يَنْجُسُ ، لِتَحَقُّقِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْقُلَّتَيْنِ فَصْلًا بَيْنَ مَا يَتَنَجَّسُ وَمَا لَمْ يَتَنَجَّسْ ; فَلَوْ سَوَّيْنَا بَيْنَهُمَا لَمْ يَبْقَ فَصْلٌ .
الثَّالِثُ أَنَّ مُقْتَضَاهُ فِي اللُّغَةِ أَنَّهُ يَدْفَعُ الْخَبَثَ عَنْ نَفْسِهِ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : فُلَانٌ لَا يَحْتَمِلُ الضَّيْمَ . أَيْ يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( 21 ) فَصْلٌ : اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا : هَلْ الْقُلَّتَانِ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ تَحْدِيدًا أَوْ تَقْرِيبًا ؟ قَالَ : أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ : الصَّحِيحُ أَنَّهَا تَحْدِيدٌ ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْقَاضِي ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ اعْتِبَارَ ذَلِكَ كَانَ احْتِيَاطًا ، وَمَا اُعْتُبِرَ احْتِيَاطًا كَانَ وَاجِبًا ، كَغَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ مَعَ الْوَجْهِ ، وَإِمْسَاكِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ مَعَ النَّهَارِ فِي الصَّوْمِ ; وَلِأَنَّهُ قَدْرٌ يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ ، فَاعْتُبِرَ تَحْقِيقُهُ كَالْعَدَدِ فِي الْغَسَلَاتِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ ; لِأَنَّ الَّذِينَ نَقَلُوا تَقْدِيرَ الْقِلَالِ لَمْ يَضْبِطُوهُمَا بِحَدٍّ ، إنَّمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : الْقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُقَيْلٍ : أَظُنُّهَا تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ .
وَهَذَا لَا تَحْدِيدَ فِيهِ ; فَإِنَّ قَوْلَهُمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا قَرَّبَا الْأَمْرَ ، وَالشَّيْءُ الزَّائِدُ عَنْ الْقِرْبَتَيْنِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، مَعَ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْمَجْهُولِ ، وَالظَّاهِرُ قِلَّتُهُ ; لِأَنَّ لَفْظَهُ يَدُلُّ عَلَى تَقَارُبِ مَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ، وَكُلَّمَا قَلَّ الشَّيْءُ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْقِرْبَتَيْنِ ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى هَذَا ; فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْقُلَّةَ قِرْبَتَانِ ، وَرُوِيَ قِرْبَتَانِ وَنِصْفٌ ، وَرُوِيَ : وَثُلُثٌ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحُدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا .
ثُمَّ لَيْسَ لِلْقِرْبَةِ حَدٌّ مَعْلُومٌ ; فَإِنَّ الْقِرَبَ تَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، فَلَا يَكَادُ قِرْبَتَانِ يَتَّفِقَانِ فِي حَدٍّ وَاحِدٍ ، وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا مُقَدَّرًا بِالْقِرَبِ ، أَوْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ مَحْدُودٍ بِالْقِرَبِ ; لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ; وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ النَّاسَ لَا يَكِيلُونَ الْمَاءَ وَلَا يَزِنُونَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ لِيُعَرِّفَهُمْ الْحَدَّ بِمَا لَا يُعَرَّفُ بِهِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ مَاءً فِيهِ نَجَاسَةٌ فَظَنَّهُ مُقَارِبًا لِلْقُلَّتَيْنِ تَوَضَّأَ مِنْهُ ، وَإِنْ ظَنَّهُ نَاقِصًا عَنْهُمَا مِنْ غَيْرِ مُقَارَبَةٍ لَهُمَا تَرَكَهُ .
وَفَائِدَةُ هَذَا ، أَنَّ مَنْ اعْتَبَرَ التَّحْدِيدَ ، فَنَقَصَ عَنْ الْحَدِّ شَيْئًا يَسِيرًا ، لَمْ يُعْفَ عَنْهُ ، وَنَجِسَ بِوُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ ، وَمَنْ قَالَ بِالتَّقْرِيبِ عُفِيَ عَنْ النَّقْصِ الْيَسِيرِ عِنْدَهُ ، وَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِمَا يُقَارِبُ الْقُلَّتَيْنِ ، إنْ شَكَّ فِي بُلُوغِ الْمَاءِ قَدْرًا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ أَوْ لَا يَدْفَعُهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ طَاهِرًا قَبْلَ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ ، وَشَكَّ هَلْ يَنْجُسُ بِهِ أَوْ لَا ؟ فَلَا يَزُولُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ .
وَالثَّانِي يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ قِلَّةُ الْمَاءِ ، فَنَبْنِي عَلَيْهِ ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ النَّجَاسَةُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith