المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثامن
( فَرْعٌ ) لِلْكَعْبَةِ الْكَرِيمَةِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ : الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ ، ثُمَّ الرُّكْنَانِ الشَّامِيَّانِ ثُمَّ الرُّكْنُ الْيَمَانِي ، وَيُقَالُ لِلْأَسْوَدِ وَالْيَمَانِي : الْيَمَانِيَانِ - بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ - وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهَا عَلَى لُغَةٍ قَلِيلَةٍ ، فَالْأَسْوَدُ وَالْيَمَانِي مَبْنِيَّانِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالشَّامِيَّانِ لَيْسَا عَلَى قَوَاعِدِهِ ، بَلْ مُغَيَّرَانِ ; لِأَنَّ الْحِجْرَ يَلِيهِمَا ، وَكُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ مِنْ الْبَيْتِ كَمَا سَبَقَ وَلِلرُّكْنِ الْأَسْوَدِ فَضِيلَتَانِ : كَوْنُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِيهِ ، وَكَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلرُّكْنِ الْيَمَانِي فَضِيلَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ كَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ لِلشَّامِيِّينَ شَيْءٌ مِنْ الْفَضِيلَتَيْنِ ، فَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَالسُّنَّةُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ اسْتِلَامُهُ وَتَقْبِيلُهُ ، وَالسُّنَّةُ فِي الرُّكْنِ الْيَمَانِي اسْتِلَامُهُ وَلَا يُقَبَّلُ ، وَالسُّنَّةُ لَا يُقَبَّلُ الشَّامِيَّانِ وَلَا يُسْتَلَمَانِ ، فَخَصَّ الْأَسْوَدَ بِالتَّقْبِيلِ مَعَ الِاسْتِلَامِ ; لِأَنَّ فِيهِ فَضِيلَتَيْنِ ، وَالْيَمَانِيَ بِالِاسْتِلَامِ لِأَنَّ فِيهِ فَضِيلَةً وَاحِدَةً ، وَانْتَفَتْ الْفَضِيلَتَانِ فِي الشَّامِيَّيْنِ . وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا لِمَا ذَكَرْته بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { مَا تَرَكْت اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِي وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مُنْذُ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَلِمُهُمَا فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إلَّا الْحَجَرَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ ، وَلَفْظُ 48 الْبُخَارِيِّ قَالَ { لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَلِمُ مِنْ الْبَيْتِ إلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ حِينَ بَلَغَهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ السَّابِقُ { لَوْلَا أَنَّ قَوْمَك حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ } الْحَدِيثَ ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا أُرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ إلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ كَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ هَذَا الرُّكْنَانِ فَقَالَ : لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا ، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَسْتَلِمُهُنَّ كُلُّهُنَّ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، فَهَذَا مَذْهَبُ مُعَاوِيَةَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ لَمْ يَرْوِيَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ أَخَذَاهُ بِاجْتِهَادِهِمَا ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ . وَقَدْ خَالَفَهُمَا فِيهِ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجُمْهُورُ الصَّحَابَةِ ، فَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ اسْتِلَامُ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ وَأَمَّا قَوْلُ مُعَاوِيَةَ " { لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا } فَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ : لَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ أَنَّ عَدَمَ اسْتِلَامِهِمَا هَجْرٌ لِلْبَيْتِ ، لَكِنَّهُ اسْتَلَمَ مَا اسْتَلَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْسَكَ مَا أَمْسَكَ عَنْهُ .
( فَرْعٌ ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ اسْتِلَامُ الْيَمَانِي دُونَ تَقْبِيلِهِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : فَإِذَا اسْتَلَمَهُ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُقَبِّلَ يَدَهُ بَعْدَ اسْتِلَامِهِ . وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُتَوَلِّي : إنْ شَاءَ قَبَّلَهَا قَبْلَ الِاسْتِلَامِ ، وَإِنْ شَاءَ بَعْدَهُ ، وَلَا فَضِيلَةَ فِي تَقْدِيمِ الِاسْتِلَامِ . وَذَكَرَ الْفُورَانِيُّ وَجْهَيْنِ ، وَحَكَاهُمَا أَيْضًا عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ ( أَحَدُهُمَا ) يُقَبِّلُ يَدَهُ وَيَسْتَلِمُهُ كَأَنَّهُ يَنْقُلُ الْقُبْلَةَ إلَيْهِ ( وَالثَّانِي ) يَسْتَلِمُهُ ثُمَّ يُقَبِّلُ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَنْقُلُ بَرَكَتَهُ إلَى نَفْسِهِ ( وَالْمَذْهَبُ ) اسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِ الِاسْتِلَامِ . وَجَاءَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَدِيثَانِ ضَعِيفَانِ ( أَحَدُهُمَا ) يُوَافِقُ الْمَذْهَبَ وَالْآخَرُ يُخَالِفُهُ ، فَالْمُوَافِقُ عَنْ جَابِرٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ فَقَبَّلَهُ ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ فَقَبَّلَ يَدَهُ } رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ . وَالْمُخَالِفُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ . 49 قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ قَبَّلَهُ وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَيْهِ } رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ . قَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ هُرْمُزَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، قَالَ : وَالْأَخْبَارُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَقْبِيلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالسُّجُودِ عَلَيْهِ قَالَ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِي الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فَإِنَّهُ أَيْضًا يُسَمَّى بِذَلِكَ فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِغَيْرِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ اسْتِلَامُ الْيَمَانِي دُونَ تَقْبِيلِهِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : فَإِذَا اسْتَلَمَهُ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُقَبِّلَ يَدَهُ بَعْدَ اسْتِلَامِهِ . وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُتَوَلِّي : إنْ شَاءَ قَبَّلَهَا قَبْلَ الِاسْتِلَامِ ، وَإِنْ شَاءَ بَعْدَهُ ، وَلَا فَضِيلَةَ فِي تَقْدِيمِ الِاسْتِلَامِ . وَذَكَرَ الْفُورَانِيُّ وَجْهَيْنِ ، وَحَكَاهُمَا أَيْضًا عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ ( أَحَدُهُمَا ) يُقَبِّلُ يَدَهُ وَيَسْتَلِمُهُ كَأَنَّهُ يَنْقُلُ الْقُبْلَةَ إلَيْهِ ( وَالثَّانِي ) يَسْتَلِمُهُ ثُمَّ يُقَبِّلُ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَنْقُلُ بَرَكَتَهُ إلَى نَفْسِهِ ( وَالْمَذْهَبُ ) اسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِ الِاسْتِلَامِ . وَجَاءَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَدِيثَانِ ضَعِيفَانِ ( أَحَدُهُمَا ) يُوَافِقُ الْمَذْهَبَ وَالْآخَرُ يُخَالِفُهُ ، فَالْمُوَافِقُ عَنْ جَابِرٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ فَقَبَّلَهُ ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ فَقَبَّلَ يَدَهُ } رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ . وَالْمُخَالِفُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ . 49 قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ قَبَّلَهُ وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَيْهِ } رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ . قَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ هُرْمُزَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، قَالَ : وَالْأَخْبَارُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَقْبِيلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالسُّجُودِ عَلَيْهِ قَالَ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِي الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فَإِنَّهُ أَيْضًا يُسَمَّى بِذَلِكَ فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِغَيْرِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث