بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء الأول
page 20
مَطْلَبُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوَارِبِ
وَأَمَّا الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ ، فَإِنْ كَانَا مُجَلَّدَيْنِ ، أَوْ مُنَعَّلَيْنِ ، يُجْزِيهِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مُجَلَّدَيْنِ ، وَلَا مُنَعَّلَيْنِ ، فَإِنْ كَانَا رَقِيقَيْنِ يَشِفَّانِ الْمَاءَ ، لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا بِالْإِجْمَاعِ ، وَإِنْ كَانَا ثَخِينَيْنِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ يَجُوزُ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمَا فِي آخِرِ عُمُرِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ فِي مَرَضِهِ ، ثُمَّ قَالَ لِعُوَّادِهِ : " فَعَلْتُ مَا كُنْت أَمْنَعُ النَّاسَ عَنْهُ " فَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى رُجُوعِهِ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوَارِبِ ، وَإِنْ كَانَتْ مُنَعَّلَةً ، إلَّا إذَا كَانَتْ مُجَلَّدَةً إلَى الْكَعْبَيْنِ ، احْتَجَّ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، أَنَّ { ۝ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ، وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ } ; وَلِأَنَّ الْجَوَازَ فِي الْخُفِّ لِدَفْعِ الْحَرَجِ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْمَشَقَّةِ بِالنَّزْعِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْجَوْرَبِ ، بِخِلَافِ اللِّفَافَةِ ، وَالْمُكَعَّبِ ; لِأَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ فِي نَزْعِهِمَا ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثَبَتَ نَصًّا ، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ ، فَكُلُّ مَا كَانَ فِي مَعْنَى الْخُفِّ فِي إدْمَانِ الْمَشْيِ عَلَيْهِ ، وَإِمْكَانِ قَطْعِ السَّفَرِ بِهِ ، يَلْحَقُ بِهِ ، وَمَا لَا ، فَلَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ غَيْرَ الْمُجَلَّدِ ، وَالْمُنَعَّلِ ، مِنْ الْجَوَارِبِ لَا يُشَارِكُ الْخُفَّ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، فَتَعَذَّرَ الْإِلْحَاقُ ، عَلَى أَنَّ شَرْعَ الْمَسْحِ إنْ ثَبَتَ لِلتَّرْفِيهِ ، لَكِنَّ الْحَاجَةَ إلَى التَّرْفِيهِ ، فِيمَا يَغْلِبُ لُبْسُهُ ، وَلُبْسُ الْجَوَارِبِ مِمَّا لَا يَغْلِبُ ، فَلَا حَاجَةَ فِيهَا إلَى التَّرْفِيهِ ، فَبَقِيَ أَصْلُ الْوَاجِبِ بِالْكِتَابِ ، وَهُوَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ .
( وَأَمَّا ) الْحَدِيثُ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا كَانَا مُجَلَّدَيْنِ ، أَوْ مُنَعَّلَيْنِ ، وَبِهِ نَقُولُ : وَلَا عُمُومَ لَهُ ، لِأَنَّهُ حِكَايَةُ حَالٍ ، أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ الرَّقِيقَ مِنْ الْجَوَارِبِ ؟ وَأَمَّا الْخُفُّ الْمُتَّخَذُ مِنْ اللَّبَدِ ، فَلَمْ يَذْكُرُهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ، ، وَقِيلَ : " إنَّهُ عَلَى التَّفْصِيلِ ، وَالِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا " ، وَقِيلَ : " إنْ كَانَ يُطِيقُ السَّفَرَ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا فَلَا " وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith