628 أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ ° ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو عُثْمَانَ الصَّابُونِيُّ ، وَأَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ ° ، قَالا : أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْفَقِيهُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ النَّوْفَلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ الْقُدَامِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ° ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ الْعَجْلانِ ° ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، قَالَ : " أَسَرَتِ الرُّومُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ : تَنَصَّرْ ، وَإِلا قَتَلْتُكَ أَوْ أَلْقَيْتُكَ فِي النُّقْرَةِ النُّحَاسِ ، قَالَ : مَا أَفْعَلُ ، فَدَعَا بِنُقْرَةٍ نُحَاسٍ فَمُلِئَتْ زَيْتًا وَأُغْلِيَتْ ، وَدَعَا رَجُلا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ فَأَبَى ، فَأَلْقَاهُ فِي النُّقْرَةِ ، فَإِذَا بِعِظَامِهِ تَلُوحُ ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ : تَنَصَّرْ وَإِلا أَلَقَيْتُكَ ، قَالَ : مَا أَفْعَلُ . فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُلْقَى فِي النُّقْرَةِ ، فَكَتَفُوهُ فَبَكَى ، فَقَالُوا : قَدْ جَزِعَ وَبَكَى ، قَالَ : رُدُّوهُ ، فَقَالَ : لا تَظُنُّ أَنِّي بَكَيْتُ جَزَعًا ، وَلَكِنْ بَكَيْتُ إِذْ لَيْسَ بِي إِلا نَفْسٌ وَاحِدَةٌ يُفْعَلُ بِهَا هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِي مِنَ الأَنْفُسِ عَدَدَ كُلِّ شَعْرَةٍ فِيَّ ، ثُمَّ تُسَلَّطَ عَلَيَّ فَتَفْعَلَ بِي هَذَا . قَالَ : فَأُعْجِبَ بِهِ ، وَأَحَبَّ أَنْ يُطْلِقَهُ ، فَقَالَ : قَبِّلْ رَأْسِي وَأُطْلِقُكَ ، قَالَ : مَا أَفْعَلُ ، قَالَ : تَنَصَّرْ وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي وَأُقَاسِمُكَ مُلْكِي ، قَالَ : مَا أَفْعَلُ ، قَالَ : قَبِّلْ رَأْسِي وَأَطْلِقْ مَعَكَ ثَمَانِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ : أَمَّا هَذَا فَنَعَمْ ، فَقَبَّلَ رَأْسَهُ ، فَأَطْلَقَهُ وَثَمَانِينَ مَعَهُ ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ قَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ ، فَقَبَّلَ رَأْسَهُ ، فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمَازِحُونَ عَبْدَ اللَّهِ ، فَيَقُولُونَ : قَبَّلَ رَأْسَ الْعِلْجِ "
ومن الحوادث فِي هذه السنة أَن عُمَر رضي اللَّه عَنْهُ كتب إِلَى نعمي بْن مقرن : أَن سر حَتَّى تأتي همدان ، وابعث عَلَى مقدمتك سويد بْن مقرن ، وعلى مجنبتك ربعي بْن عامر ، ومهلهل بْن زَيْد الطائي ، فخرج حَتَّى نزل ثنية العسل ، وسميت ثنية العسل لأجل العسل الَّذِي أصابوا فِيهَا عِنْدَ وقعة نهاوند ، ثُمَّ انحدر نعيم من الثنية حَتَّى نزل عَلَى مدينة همدان وَقَدْ تحصنوا فِيهَا ، فحاصرهم واستولى علي بلاد همدان كلها ، فلما رأى ذَلِكَ أَهْل همدان سألوه الصلح ، فأجابهم وقبل مِنْهُم الجزية . وَقَالَ ربيعة بْن عُثْمَان : كَانَ فتح همذان فِي جمادى الأولي عَلَى رأس ستة أشهر من مقتل عُمَر وجيوشه عَلَيْهَا . ومنها فتح الري ، قَالُوا : وخرج نعيم بْن مقرن إِلَى الري ، فبعث من دَخَلَ عَلَيْهِم من حيث لا يشعرون ، ثُمَّ قاتلهم وأخرب مدينتهم . قَالَ الواقدي : إِنَّمَا فتح همدان والري فِي سَنَة ثَلاث وعشرين . ومنها فتح قومس ، وكتب عُمَر إِلَى نعيم أَن قدم سويد بْن مقرن إِلَى قومس ، فَذَهَبَ وأخذها سلما وكتب لهم كتاب أمان . ومنها أَن عُمَر أمر عَبْد الرَّحْمَنِ بْن ربيعة أَن يغزو الترك ، فقصدهم ، فحال اللَّه بينهم وبين الخروج عَلَيْهِ ، وَقَالُوا : مَا اجترأ عَلَيْنَا هَذَا الرجل إلا ومعهم الملائكة تمنعهم من الْمَوْت ، فتحصنوا وهربوا ، فرجع بالغنم والظفر فِي إمارة عُمَر ، ثُمَّ غزاهم غزوات فِي زمن عُثْمَان حَتَّى قتل فِي بَعْض مغازيه إياهم ، فهم يستسقون بجسده . وَفِي هذه السنة حج عُمَر بْن الْخَطَّاب بالناس . وفيها ولد يَزِيد بْن مُعَاوِيَة ، وعبد الْمَلِك بْن مَرْوَان ، وقيل إِنَّمَا ولد يَزِيد فِي سَنَة خمس وعشرين . وَفِي هذه السنة خرج الأحنف بْن قيس إِلَى خراسان ، فحارب يزدجرد ، وبعضهم يَقُول : كَانَ ذَلِكَ فِي ثمان عشرة . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَن الأحنف أشار عَلَى عُمَر بقصد يزدجرد ، وأن عُمَر عقد الألوية ، ودفع لواء خراسان إِلَى الأحنف بْن قيس ، فافتتح هراة عنوة ، ثُمَّ سار نَحْو مرو ، وأرسل إِلَى نيسابور مطرف بْن عَبْد اللَّهِ بْن الشخير ، وكتب يزدجرد وَهُوَ بمرو إِلَى خاقان يستمده ، وإلى ملك الصغد يستمده ، وإلى ملك الصين يستعين بِهِ ، ولحقت بالأحنف أمداد أَهْل الكوفة ، فسار إِلَى موضع ، فبلغ يزدجرد ، فخرج إِلَى بلخ ، فسار أَهْل الكوفة إِلَى بلخ ، فالتقوا بيزدجرد ، فهزمه اللَّه تَعَالَى ، فعبر النهر ، ولحق الأحنف بأهل الكوفة ، وفتح اللَّه عَلَيْهِم ، وعاد الأحنف إِلَى مرو الروذ فنزلها ، ثُمَّ أقبل يزدجرد ومعه خاقان إِلَى مرو الروذ ، فخرج الأحنف ليلا فِي عسكره يتسمع هل يسمع برأي ينتفع بِهِ . فمر برجلين ، يَقُول أحدهما للآخر : لو أَن الأمير أسندنا إِلى هَذَا الجبل فكان النهر بيننا وبين عدونا خندقا ، وَكَانَ الجبل فِي ظهورنا أمنا أَن يأتونا من خلفنا ، ورجونا أَن ينصرنا اللَّه تَعَالَى ، فارتحل ، فأسندهم إِلَى الجبل ، ثُمَّ خرج الأحنف ليلة فرأى كبيرا مِنْهُم فقتله ، ثُمَّ آخر ، ثُمَّ آخر ، وانصرف إِلَى عسكره ، وَلَمْ يعلم بِهِ أحد ، فخرجوا فرأوا أولئك مقتولين ، فَقَالَ خاقان : مَا لنا فِي قتال هؤلاء خير ، فانصرف بأَصْحَابه إِلَى بلخ ، فَقَالَ يزدجرد : إني أريد أَن أتبع خاقان ، فأكون مَعَهُ ، فَقَالُوا : أتدع قومك وأرضك وتأتي قوما فِي مملكتهم ، عد بنا إِلَى هؤلاء الْقَوْم نصالحهم ، فَإِن عدوا يلينا فِي بلادنا ، أحب إلينا من عدو يلينا فِي بلاده ، فأبى عَلَيْهِم وأبوا عَلَيْهِ إِلَى أَن قَالُوا لَهُ : فدع خزائننا نردها إِلَى بلادنا ، فأبى عَلَيْهِم وأبوا ، فَقَالُوا : إنا لا ندعك . فاعتزلوا وتركوه فِي حاشيته ، وقاتلوه فهزموه ، وأخذوا الخزائن واستولوا عَلَيْهَا وركبوه ، وكتبوا إِلَى الأحنف بالخبر ، ومضى يزدجرد بالأثقال إِلَى فرغانة والترك ، فلم يزل مقيما زمان عُمَر كُلهُ ، فأقبل أَهْل فارس إِلَى الأحنف بْن قيس ، وصالحوه ، ودفعوا إِلَيْهِ الخزائن والأموال ، ورجعوا إِلَى بلادهم وأموالهم عَلَى أفضل مَا كَانُوا فِي زمان الأكاسرة ، وأصاب الفارس يَوْم يزدجرد كسهم الفارس يَوْم القادسية . ولما رجع أَهْل خراسان زمان عُثْمَان أقبل يزدجرد حَتَّى نزل قم ، واختلف هُوَ ومن مَعَهُ ، فقتل ورمي فِي النهر . وَمَا عرفنا أحدا من الأكابر توفي فِي هذه السنة .