8 وَرَوَاهُ شَرِيكٌ ° ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ° ، عَنْ عَاصِمٍ ° ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ° ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : " إِذَا زَادَتِ الْإِبِلُ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةً وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةَ لَبُونٍ "

فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُوَافِقَةٌ لِحَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى تُخَالِفُهُ وَحَدِيثُ أَنَسٍ لَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَةُ فِيهِ كَمَا تَرَى ، فَالْمَصِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ أَوْلَى لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَلَى أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْحُفَّاظِ أَحَالُوا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الْغَلَطَ عَلَى عَاصِمٍ ، وَإِذَا تَقَابَلَتْ حُجَّتَانِ فَيَكُونُ لِإِحْدَاهِمَا مُعَارِضٌ وَلَيْسَ لِلْأُخْرَى ذَلِكَ ، فَمَا سَلِمَتْ تَكُونُ أَوْلَى كَالْبَيِّنَاتِ إِذَا تَقَابَلَتْ فَمَا وُجِدَ لَهَا مُعَارِضٌ سَقَطَتْ ، وَمَا سَلِمَتْ مِنَ الْمُعَارَضَةِ ثَبُتَتْ ، كَذَلِكَ هَذَا . الْوَجْهُ التَّاسِعَ عَشَرَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ لَمْ يَضْطَرِبْ لَفْظُهُ وَالْآخَرُ قَدِ اضْطَرَبَ لَفْظُهُ ، فَيُرَجَّحُ خَبَرُ مَنْ لَمْ يَضْطَرِبْ لَفْظُهُ ، لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى حِفْظِهِ وَضَبْطِهِ وَسُوءِ حِفْظِ صَاحِبِهِ . مِثَالُهُ حَدِيثُ : ابْنِ عُمَرَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا كَبَّرَ ، وَإِذَا رَكَعَ ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ " . فَهَذَا حَدِيثٌ يُرْوَى ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، وَمِمَّنْ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَالِمٍ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا اضْطَرَبَ فِي مَتْنِهِ ، فَكَانَ أَوْلَى بِالْمَصِيرِ إِلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ " إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ ، رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ أُذُنَيْهِ ، ثُمَّ لَا يَعُودُ " أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُعْرَفُ بِيَزَيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ وَقَدِ اضْطَرَبَ فِيهِ . قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : كَانَ يَزِيدُ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ وَلَا يَذْكُرُ فِيهِ " ثُمَّ لَا يَعُودُ " ، ثُمَّ دَخَلْتُ الْكُوفَةَ ، فَرَأَيْتُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي زِيَادٍ يَرْوِيهِ وَقَدْ زَادَ فِيهِ " ثُمَّ لَا يَعُودُ " وَكَانَ قَدْ لَقَّنَ فَتَلَقَّنَ . الْوَجْهُ الْعِشْرُونَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مُتَّفَقًا عَلَى رَفْعِهِ وَالْآخَرُ قَدِ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ عَلَى الصَّحَابِيِّ ، فَيِجِبْ تَرْجِيحُ مَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ عَلَى مَا اخْتُلِفَ فِيهِ ، لِأَنَّ الْمُتَّفَقَ عَلَى رَفْعِهِ حُجَّةٌ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ ، وَالْمُخْتَلَفُ فِي رَفْعِهِ عَلَى تَقْدِيرِ الْوَقْفِ هَلْ يَكُونُ حُجَّةً أَمْ لَا ؟ فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَخْذُ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَقْرَبُ إِلَى الْحَيْطَةِ . الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مُتَّفَقًا عَلَى اتِّصَالِهِ ، وَالْآخَرُ يُوصِلُهُ بَعْضُهُمْ وَيُرْسِلُهُ آخَرُونَ ، فَالْأَخْذُ بِالْمُسْنَدِ الْمُتَّفَقُ عَلَى اتِّصَالِهِ أَوْلَى مِنَ الْأَخْذِ بِالْمُخْتَلَفِ فِي إِرْسَالِهِ وَاتِّصَالِهِ ، فَإِنَّ الْمُرْسَلَ أَكْثَرَ النَّاسُ عَلَى تَرْكِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ ، وَالْمُتَّصِلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، فَلَا يُقَاوِمُهُ . الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ أَنْ يَكُونَ رُوَاةُ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ مِمَّنْ لَا يُجَوِّزُونَ نَقْلَ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى وَرُوَاةُ الْحَدِيثِ الْآخَرِ يَرَوْنَ ذَلِكَ ، فَحَدِيثُ مَنْ يُحَافِظُ عَلَى اللَّفْظِ أَوْلَى ، لِأَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ نَقْلِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَوَّلَوِيَّةِ نَقْلِهِ لَفْظًا ، وَالْحَيْطَةُ الْأَخْذُ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ . الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ أَنْ يَكُونَ رُوَاةُ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ مَعَ تَسَاوِيهِمْ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ فُقَهَاءً عَارِفِينَ بِاجْتِنَاءِ الْأَحْكَامِ مِنْ مُثْمِرَاتِ الْأَلْفَاظِ ، فَالِاسْتِرْوَاحُ إِلَى حَدِيثِ الْفُقَهَاءِ أَوْلَى . وَحَكَى عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ ، قَالَ : قَالَ لَنَا وَكِيعٌ : أَيُّ الْإِسْنَادَيْنِ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ : الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، أَوْ سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ؟ فَقُلْنَا : الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ . فَقَالَ : يَا سُبْحَانَ اللَّهِ ! الْأَعْمَشُ شَيْخٌ وَأَبُو وَائِلٍ شَيْخٌ ، وَسُفْيَانُ فَقِيهٌ ، وَمَنْصُورٌ فَقِيهٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ فَقِيهٌ ، وَعَلْقَمَةُ فَقِيهٌ ، وَحَدِيثٌ يَتَدَاوَلُهُ الْفُقَهَاءُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَدَاوَلَهُ الشُّيُوخُ . الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ 24 أَنْ يَكُونَ رَاوِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ مَعَ حِفْظِهِ صَاحِبَ كِتَابٍ يَرْجَعُ إِلَيْهِ ، وَالرَّاوِي الْآخَرُ حَافِظٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَرْجَعُ إِلَى كِتَابٍ . فَحَدِيثُ الْأَوَّلِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا ، لِأَنَّ الْخَاطِرَ قَدْ يَخُونُ أَحْيَانًا ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : قَالَ لِي سَيِّدِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : " لَا تُحَدِّثُنَّ إِلَّا مِنْ كِتَابٍ " . الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مَنْسُوبًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصًا وَقَوْلًا ، وَالْآخَرُ يُنْسَبُ إِلَيْهِ اسْتِدْلَالًا وَاجْتِهَادًا ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ مُرَجَّحًا . نَحْوَ مَا رَوَاهُ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، وَقَالَ : لَا يُبَعْنَ وَلَا يُوهَبْنَ وَيَسْتَمْتِعُ بِهَا سَيِّدُهَا مَا بَدَا لَهُ ، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ " فَهَذَا أَوْلَى بِالْعَمَلِ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، " كُنَّا نَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ، لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا خِلَافَ فِي كَوْنِهِ حُجَّةٌ ، وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ لَيْسَ فِيهِ تَنْصِيصٌ مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَنْ كَانَ يَرَى هَذَا لَمْ يَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافَهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ اجْتِهَادًا مِنْهُ ، فَكَانَ تَقْدِيمُ مَا نُسِبَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصًّا أَوْلَى نَظِيرُهُ حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ ، فِي الْمُزَارَعَةِ " كُنَّا نُخَابِرُ وَكُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ " وَلَمْ يَكُنْ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ مُسْتَنَدًا إِلَى إِذْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَارِنُ فِعْلَهُ ، وَفِي الْآخَرِ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ لَا غَيْرَ ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِالتَّرْجِيحِ . نَحْوَ مَا رَوَتْهُ حَبِيبَةُ بِنْتُ أَبِي تَجْرُأَةَ ، قَالَتْ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ وَهُوَ يَسْعَى وَيَقُولُ : " اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ " حَتَّى أَنَّ مِئْزَرَهُ لَيَدُورُ بِهِ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ ، فَهَذَا الْحَدِيثُ أَدَلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " الْحَجُّ عَرَفَةُ " ، لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أَنْوَاعِ مِنَ التَّرْجِيحِ : الْأَوَّلُ قَوْلُهُ ، وَالثَّانِي فِعْلُهُ وَيَجِبُ فِيهِ الِاقْتِدَاءُ ، وَالثَّالِثُ إِخْبَارُهُ عَنْ إِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ عَلَيْنَا ، فَهُوَ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ مِنْ مُجَرَّدِ الْقَوْلِ . الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مُوَافِقًا لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ دُونَ الْآخَرِ ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ ، نَحْوَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا " . فَهَذَا حَدِيثٌ يُعَارِضُهُ نَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا ، غَيْرَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ يُعَاضِدُهُ ظَوَاهِرُ مِنَ الْكِتَابِ ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ سورة البقرة آية 238 ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ سورة آل عمران آية 133 إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ . الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مُوَافِقًا لِسُنَّةٍ أُخْرَى دُونَ الْآخَرِ ، نَحْوَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ " يُقَدَّمُ عَلَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ : " لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مِنَ الثَّيْبِ أَمْرٌ " ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ رَوَاهُ أَبُو مُوسَى ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَشُدُّهُ : حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا ، بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ " . الْحَدِيثَ . الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ دُونَ الْآخَرِ ، فَيَكُونُ الْعُدُولُ عَنِ الثَّانِي إِلَى الْأَوَّلِ مُتَعَيِّنًا ، وَلِهَذَا قُدِّمَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ " ، لِأَنَّ مَالَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي ذُكُورِهِ لَا تَجِبُ فِي إِنَاثِهِ ، كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ . الْوَجْهُ الثَّلَاثُونَ أَنْ يَكُونَ مَعَ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ حَدِيثٌ آخَرُ مُرْسَلٌ أَوْ مُنْقَطِعٌ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَعَ الْآخَرِ . الْوَجْهُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ قَدْ عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ دُونَ الثَّانِي فَيَكُونُ آكَدُ . وَلِذَلِكَ قَدَّمْنَا رِوَايَةَ مَنْ رَوَى فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ سَبْعًا وَخَمْسًا ، عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَرْبَعًا كَأَرْبَعِ الْجَنَائِزِ ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ عَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فَيَكُونُ إِلَى الصِّحَّةِ أَقْرَبَ وَالْأَخْذُ بِهِ أَصْوَبُ . الْوَجْهُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ فِي تَرَجُّحِ الْأَخْبَارِ أَنْ يَكُونَ مَعَ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ عَمَلُ الْأُمَّةِ دُونَ الْآخَرِ ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَمِلَتْ بِمُوجِبِهِ لِصِحَّتِهِ ، وَلَمْ تَعْمَلْ بِمُوجَبِ الْآخَرِ لِضَعْفِهِ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْأَوَّلِ لِهَذَا التَّجْوِيزِ . الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مَنْطُوقًا بِهِ ، وَمَا يَتَضَمَّنُهُ الْحَدِيثَ الْآخَرَ يَكُونُ مُحْتَمَلًا ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ تَقْدِيمُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ " ، فِي إِيجَابِ ذَلِكَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ ، عَلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ : عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ " الْحَدِيثَ . لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ " نَصَّ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي مِلْكِ مَنْ كَانَتْ ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ الصَّبِيِّ " لَا يُنْبِئُ عَنْ سُقُوطِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ ، بِأَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ فِيهِ لِغَيْرِهِ وَهُوَ الْوَلِيُّ ، فَرَفْعُ الْقَلَمِ عَنْهُ يُفِيدُ نَفْيَ خِطَابِهِ وَالتَّكْلِيفَ لَهُ ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ النَّصَّ بِوَجْهٍ . الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مُسْتَقِلًا بِنَفْسِهِ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى إِضْمَارٍ وَالْآخَرُ لَا يُفِيدُ إِلَّا بَعْدَ تَقْدِيرٍ وَإِضْمَارٍ ، فَيُرَجَّحُ الْأَوَّلُ ، لِأَنَّ الْمُسْتَقِلَ بِنَفْسِهِ مَعْلُومُ الْمُرَادِ مِنْهُ ، رُبَّمَا الْتَبَسَ مَا هُوَ الْمُضْمَرُ فِيهِ . الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ مَقْرُونًا بِصِفَّةٍ ، وَفِي الْآخَرِ مَقْرُونًا بِالِاسْمِ ، نَحْوَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ ، فَاقْتُلُوهُ " ، قُدِّمَ هَذَا عَلَى نَهْيِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ، لِأَنَّ تَبْدِيلَ الدِّينِ صِفَّةٌ مَوْجُودَةٌ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، فَصَارَتْ كَالْعِلَّةِ ، وَهِيَ الْمُؤَثِّرَةُ فِي الْأَحْكَامِ دُونَ الْأَسَامِي . الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ يُقَارِنُهُ تَفْسِيرُ الرَّاوِي دُونَ الْآخَرِ ، نَحْوَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ فِي بَيْعِهِمَا مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا " فَإِنَّ التَّفَرُّقَ هَاهُنَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْبَدَنِ ، وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ : عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، " أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوجِبَ الْبَيْعَ مَشَى قَلِيلًا ، ثُمَّ رَجَعَ " وَلِأَنَّ الرَّاوِي إِذَا شَاهَدَ الْحَالَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ مِنْ غَيْرِهِ إِذَا كَانَ مَعْنَاهُ لَائِقًا بِاللَّفْظِ . الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ قَوْلًا وَالْآخَرُ فِعْلًا ، فَالْقَوْلُ أَبْلَغُ فِي الْبَيَانِ ، وَلِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي كَوْنِ قَوْلِهِ حُجَّةٌ ، وَاخْتَلَفُوا فِي اتِّبَاعِ فِعْلِهِ ، وَلِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَدُلُّ بِنَفْسِهِ عَلَى شَيْءٍ بِخِلَافِ الْقَوْلِ فَيَكُونُ أَقْوَى . الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مُخَصَّصًا ، وَالثَّانِي لَمْ يَدْخُلْهُ التَّخْصِيصُ ، فَمَا لَمْ يَدْخُلْهُ التَّخْصِيصُ أَوْلَى ، لِأَنَّ التَّخْصِيصَ يُضْعِفُ اللَّفْظَ وَيَمْنَعُهُ مِنْ جَرَيَانِهِ عَلَى مُقْتَضَاهُ وَيَصِيرُ مَجَازًا عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَةِ ، بِخِلَافِ مَا لَمْ يَدْخُلْهُ التَّخْصِيصُ فَيَكُونُ أَقْوَى . الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مُشْعِرًا بِنَوْعِ قَدْحٍ فِي أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ ، وَالثَّانِي لَا يُوهِمُ ذَلِكَ . نَحْوَ مَا رَوَاهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحَابَةَ بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ مِنَ الْقَهْقَهَةِ فِيهَا ، وَروَوْا أَيْضًا بِإِزَائِهِ : حَدِيثَ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ، " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ أَنْ لَا نَنْزَعُ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ ، لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ " ، وَمَا رَوَوْهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي الضَّحِكِ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْتَضِي الْقَدْحَ فِي حَالِ الصَّحَابَةِ ، وَهُمْ أَجَلُّ مَنْصِبًا مِنْ ذَلِكَ دُونَ الْحَدِيثِ الثَّانِي ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ مَا لَا يُوجِبُ ذَلِكَ الْوَجْهُ الْأَرْبَعُونَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مُطْلَقًا ، وَالْآخَرُ وَارِدٌ عَلَى سَبَبٍ ، فَيَتَقَدَّمُ الْمُطْلَقُ لِظُهُورِ إِمَارَاتِ التَّخْصِيصِ فِي الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ ، فَيَكُونُ أَوْلَى بِإِلْحَاقِ التَّخْصِيصِ بِهِ . وَعَلَى هَذَا يَتَقَدَّمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ " عَلَى نَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ، لِأَنَّ النَّهْيَ وَارِدٌ عَلَى سَبَبٍ فِي الْحَرْبِيَّةِ . الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ فِي التَّرْجِيحِ دِلَالَةُ الِاشْتِقَاقِ عَلَى أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ ، فَلْيَتَوَضَأْ " ظَاهِرُ اللَّفْظِ يَتَنَاوَلُ مُجَرَّدَ اللَّمْسِ مِنْ غَيْرِ ضَمِيمَةِ الشَّهْوَةِ إِلَيْهِ ، نَظَرًا إِلَى جِهَةِ الِاشْتِقَاقِ ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ اللَّفْظِ عَلَى مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ إِلَى أَنْ يَدُلَّ دَلِيلَ التَّغْيِيرِ . الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْخِصْمَيْنِ قَائِلًا بِالْخَبَرَيْنِ ، فَيُرَجَّحُ قَوْلُهُ عَلَى قَوْلِ الْآخَرِ ، إِذَا كَانَ يُسْقِطُ أَحَدَهُمَا ، وَيَقُولُ بِالْآخَرِ ، لِأَنَّهُ جَامِعٌ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ ، فَيَكُونُ أَوْلَى . الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ زِيَادَةٌ لَا تَكُونُ فِي الثَّانِي ، فَيُرَجَّحُ الْأَوَّلُ ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَنِ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ، وَلِذَلِكَ قُدِّمَ خَبَرُ التَّرْجِيعِ فِي الْأَذَانِ عَلَى خَبَرِ مَنْ رَوَاهُ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيعٍ . الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْآخَرِ أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِهِمَا احْتِيَاطٌ لِلْفَرْضِ وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ بِيَقِينٍ ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْآخَرِ ذَلِكَ ، فَتَقْدِيمُ مَا فِيهِ الِاحْتِيَاطِ أَوْلَى ، فَإِنْ قِيلَ : لِمَ لَمْ تَسْتَعْمِلُوا الِاحْتِيَاطَ فِي إِيجَابِ الْوُضُوءِ مِنَ الْقَهْقَهَةِ وَالرُّعَافِ ، وَإِيجَابِ الْمَضْمَضَةِ ، وَالِاسْتَنْشَاقِ فِي الْغُسْلِ ؟ أَجَابَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ ، وَقَالَ : إِنَّا لَمْ نَقُلْ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا ، لِأَنَّ الْأُمَّةَ قَدْ أَجْمَعَتْ عَلَى تَرْكِهَا أَوْ تُرِكَ بَعْضُهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعِرَاقِيَّ تَرَكَ إِيجَابَ الِاحْتِيَاطِ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْوُضُوءِ وَتَرَكَ الِاحْتِيَاطَ فِي يَسِيرِ الدَّمِ وَالْقَيْءِ وَإِيجَابَ الْوُضُوءِ مِنَ الْقَهْقَهَةِ فِي صَلَاةِ الْجَنَازَةِ ، فَإِذَا تَرَكَ الِاحْتِيَاطَ مَنْ قَالَ بِهِ فِي مُقْتَضَاهُ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عِنْدَهُ ، كَذَا مَنْ لَا يَقُولُ بِهِ ، بِخِلَافِ مَنْ يَقُولُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ . الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ مِمَّا يُرَجِّحُ أَحَدَ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْآخَرِ : إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا نَظِيرٌ مُتَّفَقٌ عَلَى حُكْمِهِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلْآخَرِ ، مِثَالُهُ أَنْ يَقْضِيَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ . عَلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ " . لِأَنَّ لَهُ نَظِيرًا وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرَقِ صَدَقَةٌ " . قَضَى بِهِ عَلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ " لِأَنَّ ذَلِكَ نَظِيرَ مَا قَالَهُ فِي الْعُشْرِ . الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ يَدُلُّ عَلَى الْحَظَرِ ، وَالْآخَرُ يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ ، فَهَلْ يُقَدَّمُ الْحَظَرُ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَمْ لَا ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا يُرَجَّحُ بِهَذَا ، لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْمُبَاحِ كَإِبَاحَةِ الْمَحْظُورِ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ رُجْحَانٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يُرَجَّحُ بِذَلِكَ ، لِأَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ مَا يُبِيحُ وَمَا يُحْظَرُ غَلَبَ جَانِبُ الْحَظْرِ كَمَا فِي الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَبَيْنَ مَا لَا يُؤْكَلُ وَكَاجْتِمَاعِ زَكَاةِ الْمُسْلِمِ وَالْوَثَنِيِّ فِي الشَّاةِ ، وَلِأَنَّ الْإِثْمَ حَاصِلٌ فِي فِعْلِ الْمَحْظُورِ وَلَا إِثْمَ فِي تَرْكِ الْمُبَاحِ ، فَكَانَ التَّرْكُ أَوْلَى . الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ يَثْبِتُ حُكْمًا خَالَفَ الْحُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ ، وَالثَّانِي يَثْبِتُ حُكْمًا مُوَافِقًا لِحُكْمٍ قَبْلَ الشَّرْعِ ، فَقَدْ قِيلَ : هَذَا أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ ، وَقِيلَ : هُمَا سَوَاءٌ ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا وَافَقَ حُكْمًا قَبْلَ الشَّرْعِ فَقَدْ صَارَ شَرْعًا لَنَا بَعْدَ وُرُودِهِ . الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ إِذَا تَعَارَضَ خَبَرَانِ فِي الْحُدُودِ ، وَأَحَدُهُمَا يَكُونُ مُسْقَطًا وَالْآخَرُ مُوجَبًا ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ . فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَلَا يُؤْثِرُ الشُّبْهَةَ فِي ثُبُوتِهِ شَرْعًا ، كَمَا يَثْبُتُ الْحَدُّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ مَعَ وُجُودِ الشُّبْهَةِ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يُقَدَّمُ الْمُسْقَطُ عَلَى الْمُوجَبِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " ادْرَءُوا الْحُدُودَ مَا اسْتَطَعْتُمْ " . الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ إِثْبَاتًا يَتَضَمَّنُ النَّقْلَ عَنْ حُكْمِ الْعَقْلِ ، وَالثَّانِي نَفْيًا يَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارَ عَلَى حُكْمِ الْعَقْلِ ، فَيَكُونُ الْإِثْبَاتِ أَوْلَى ، لِأَنَّا اسْتَفَدْنَا بِالْمُثْبَتِ مَا لَمْ نَكُنْ نَسْتَفِيدُهُ مِنْ قَبْلِ ، وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنَ الثَّانِي أَمْرًا إِلَّا مَا كُنَّا نَسْتَفِيدُهُ مِنْ قَبْلِ ، فَكَانَ الْمُثْبَتُ أَوْلَى ، وَصُورَةُ الْمُثْبَتِ أَنْ يَرِدَ حَدِيثٌ بِوُجُوبِ فِعْلٍ لَا يُوجِبُهُ الْعَقْلُ ، وَيَرِدُ حَدِيثٌ آخَرُ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ ، فَهَذَا مَبْقِيًّا عَلَى حُكْمِ الْعَقْلِ ، وَذَاكَ نَاقِلٌ مُفِيدٌ فَهُوَ أَوْلَى ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ نَفْيُهُ وَإِثْبَاتُهُ ثَابِتَيْنِ بِالشَّرْعِ فَلَا يَتَرَجَّحُ بِهَذَا أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْآخَرِ ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَاقِلٌ عَنْ حُكْمِ الْعَقْلِ . الْوَجْهُ الْخَمْسُونَ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثَانِ الْمُتَعَارِضَانِ مِنْ قَبِيلِ الْأَقْضِيَةِ وَرَاوِي أَحَدِهِمَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَرَاوِي أَحَدِهِمَا مُعَاذٌ ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْفَرَائِضِ وَرَاوِي أَحَدِهِمَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَهَلُمَّ جَرَا فِي بَقِيَّةِ الْعُلُومِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ شَهِدَ لَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَرَاعَةِ وَالْحَذْقِ فِي فَنِّهِ ، فَهَلْ يَصْلُحْ هَذَا فِي بَابِ التَّرْجِيحِ أَمْ لَا ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ التَّرْجِيحُ وَهُو الصَّحِيحُ ، لِأَنَّ شَهَادَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ أَبْلَغُ فِي تَقْوِيَّةِ الظَّنِّ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّرْجِيحَاتِ ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَدَّمْنَا قَوْلَ الصَّحَابِيِّ عَلَى قَوْلِ التَّابِعِيِّ ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمِ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ " . فَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي ذِكْرِ التَّرْجِيحَاتِ ، وَثَمَّ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ أَضْرَبْنَا عَنْ ذِكْرِهَا لِكَيْ لَا يَطُولُ بِهِ هَذَا الْمُخْتَصَرُ .

الآيات القرآنية · Qurʾān verses cited
السند · the isnād, in order
Isnād tree
→ prev #8 / 469 next ←