وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ ° , أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ ° , أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ ° , حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ° ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ ° ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ ° ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ عُدُسٍ ° ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعَقِيلِيُّ ° ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ أَوْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ، وَهِيَ عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ ، فَإِذَا حَدَّثَ بِهَا وَقَعَتْ . وَأَحْسَبُهُ قَالَ : " لا تُحَدِّثْ بِهَا إِلا حَبِيبًا أَوْ لَبِيبًا "
وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ سورة يوسف آية 6 . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ سورة يوسف آية 6 يصطفيك ربك ، يقوله يَعْقُوب ليوسف ، أي : كما رفع منزلتك بهذه الرؤيا ، فكذلك يصطفيك ربك ، وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ سورة يوسف آية 6 يريد : تعبير الرؤيا ، سمي تأويلا ، لأنه يئول أمره إلى ما رأى في منامه ، والتأويل : ما يئول إليه عاقبة الأمر ، وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ سورة يوسف آية 6 يعني : بالنبوة ، وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ سورة يوسف آية 6 أي : على أولاده ، فإن أولاده كلهم كانوا أنبياء ، كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ سورة يوسف آية 6 فجعلهما نبيين ، إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ سورة يوسف آية 6 . وقيل : المراد من إتمام النعمة على إِبْرَاهِيم : الخلة . وقيل : إنجاؤه من النار ، وعلى إِسْحَاق إنجاؤه من الذبح . وقيل : بإخراج يَعْقُوب والأسباط من صلبه . قَالَ ابن عباس ، رضي اللَّه عنهما : كان بين رؤيا يوسف هذه وبين تحقيقها بمصير أبويه وإخوته إليه أربعون سنة ، وهو قول أكثر أهل التفسير . وقال الحسن البصري : كان بينهما ثمانون سنة ، فلما بلغت هذه الرؤيا إخوة يوسف ، حسدوه ، وقالوا : ما رضي أن يسجد له إخوته ، حتى يسجد له أبواه . فبغوه . لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ سورة يوسف آية 7 . يقول الله تعالى : لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ سورة يوسف آية 7 أي : في خبره وخبر إخوته ، وأسماؤهم : روبيل ، وهو أكبرهم ، وشمعون ، ولاوي ، ويهوذا ، وزبالون ، وقيل : زبلون . وآشر ، وأمهم ليا بنت ليان ، وهي ابنة خال يَعْقُوب عليه السلام ، وولد له من سريتين له ، اسم إحداهما : زلفة ، والأخرى : يلهمة ، أربعة أولاد : دان ، ونفتالي ، وقيل : نفتولي . وجاد ، وأشير , ثم توفيت ليا ، فتزوج يَعْقُوب عليه السلام أختها راحيل ، فولدت له يوسف وبنيامين ، وقيل : وابن يامين . فكان بنو يَعْقُوب عليه السلام اثنى عشر رجلا . آيَاتٌ سورة يوسف آية 7 قرأ ابن كثير آية على التوحيد ، أي : عظة وعبرة ، وقيل : عجب . وقرأ الآخرون آيات على الجمع ، لِلسَّائِلِينَ سورة يوسف آية 7 وذلك أن اليهود سألوا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قصة يوسف عليه السلام ، وقيل : سألوه عَنْ سبب انتقال ولد يَعْقُوب من كنعان إلى مصر ، فذكر لهم قصة يوسف ، فوجدوها موافقة لما في التوراة ، فتعجبوا منها ، فهذا معنى قوله : آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ سورة يوسف آية 7 . أي : دلالة على نبوة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقيل : آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ سورة يوسف آية 7 ولمن لم يسأل . كقوله : سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ سورة فصلت آية 10 . وقيل : معناه : عبرة للمعتبرين ، فإنها تشتمل على حسد إخوة يوسف ، وما آل إليه أمرهم في الحسد ، وتشتمل على رؤياه ، وما حقق اللَّه منها ، وتشتمل على صبر يوسف عليه السلام عَنْ قضاء الشهوة ، وعلى الرق ، وفي السجن ، وما آل إليه أمره من الملك ، وتشتمل على حزن يعقوب وصبره ، وما آل إليه أمره من الوصول إلى المراد ، وغير ذلك من الآيات . إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ { 8 } اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ { 9 } سورة يوسف آية 8-9 . إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ سورة يوسف آية 8 اللام فيه جواب القسم ، تقديره : والله ليوسف . وَأَخُوهُ سورة يوسف آية 8 بنيامين ، أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا سورة يوسف آية 8 كان يوسف وأخوه بنيامين من أم واحدة ، وكان يَعْقُوب عليه السلام شديد الحب ليوسف عليه السلام ، وكان إخوته يرون منه من الميل إليه ما لا يرونه مع أنفسهم , فقالوا هذه المقالة ، وَنَحْنُ عُصْبَةٌ سورة يوسف آية 8 أي : جماعة ، وكانوا عشرة ، قَالَ الفراء : العصبة : هي العشرة فما زاد . وقيل : العصبة : ما بين الواحد إلى العشرة . وقيل : ما بين الثلاثة إلى العشرة . وقال مجاهد : ما بين العشرة إلى خمسة عشر . وقيل : ما بين العشرة إلى الأربعين . وقيل : جماعة يتعصب بعضها لبعض ، لا واحد لها من لفظها ، كالنفر والرهط . إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ سورة يوسف آية 8 أي : خطأ بين في إيثاره يوسف وأخاه علينا ، وليس المراد منه الضلال عَنِ الدين ، ولو أرادوه لكفروا به ، بل المراد منه : الخطأ في تدبير أمر الدنيا ، يقولون : نحن أنفع له في أمر الدنيا ، وإصلاح أمر معاشه ، ورعي مواشيه ، فنحن أولى بالمحبة منه ، فهو مخطئ في صرف محبته إليه . اقْتُلُوا يُوسُفَ سورة يوسف آية 9 اختلفوا في قائل هذا القول , فقال وهب : قاله شمعون . وقال كعب : قاله دان . أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا سورة يوسف آية 9 أي : إلى أرض يبعد عَنْ أبيه ، وقيل : في أرض تأكله السباع . يَخْلُ لَكُمْ سورة يوسف آية 9 يخلص لكم ، ويصف لكم ، وَجْهُ أَبِيكُمْ سورة يوسف آية 9 عَنْ شغله بيوسف ، وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ سورة يوسف آية 9 من بعد قتل يوسف ، قَوْمًا صَالِحِينَ سورة يوسف آية 9 تائبين ، أي : توبوا بعدما فعلتم هذا يعف اللَّه عنكم , وقال مقاتل : يصلح أمركم فيما بينكم وبين أبيكم . قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ سورة يوسف آية 10 . قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ سورة يوسف آية 10 وهو يهوذا , وقال قتادة : روبيل ، وكان ابن خالة يوسف ، وكان أكبرهم سنا ، وأحسنهم رأيا فيه . والأول أصح أنه يهوذا ، نهاهم عَنْ قتله , وقال : القتل كبيرة عظيمة . وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ سورة يوسف آية 10 قرأ أبو جعفر ، ونافع غيابات الجب عَلَى الجمع في الحرفين ، وقرأ الباقون غيابة الجب على الواحد ، أي : في أسفل الجب وظلمته ، والغيابة : كل موضع ستر عنك الشيء وغيبه ، والجب : البئر غير المطويه ، لأنه جب ، أي : قطع ولم يطو . يَلْتَقِطْهُ سورة يوسف آية 10 يأخذه ، والالتقاط : أخذ الشيء من حيث لا يحتبسه ، بَعْضُ السَّيَّارَةِ سورة يوسف آية 10 أي : بعض المسافرين ، فيذهب به إلى ناحية أخرى ، فتستريحوا منه ، إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ سورة يوسف آية 10 أي : إن عزمتم على فعلكم ، وهم كانوا يومئذ بالغين ، ولم يكونوا أنبياء بعد ، وقيل : لم يكونوا بالغين . وليس بصحيح ، بدليل أنهم قالوا : وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ سورة يوسف آية 9 . وقالوا : يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا سورة يوسف آية 97 والصغير لا ذنب له , وقال مُحَمَّد بن إِسْحَاق : اشتمل فعلهم على جرائم من : قطع الرحم ، وعقوق الوالدين ، وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له ، والغدر بالأمانة ، وترك العهد ، والكذب مع أبيهم ، وعفا اللَّه عنهم ذلك كله حتى لا ييأس أحد من رحمة اللَّه . وقال بعض أهل العلم : إنهم عزموا على قتله ، وعصمهم اللَّه رحمة بهم ، ولو فعلوا لهلكوا جميعا ، وكل ذلك كان قبل أن أنبأهم اللَّه تعالى . وسئل أبو عمرو بن العلاء : كيف قالوا نرتع ونلعب وهم أنبياء ؟ قَالَ : كان ذلك قبل أن نبأهم اللَّه تعالى ، فلما أجمعوا على التفريق بينه وبين والده بضروب من الحيل . قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ { 11 } أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ { 12 } قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ { 13 } سورة يوسف آية 11-13 . قَالُوا سورة يوسف آية 11 ليعقوب : يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ سورة يوسف آية 11 قرأ أبو جعفر تأمنا بلا ، وهو رواية عَنْ نافع ، وقرأ الباقون تأمنا بإشمام الضمة في النون الأولى المدغمة ، وهو إشارة إلى الضمة من غير إمحاض ، ليعلم أن أصله : لا تأمننا بنونين على تفعلنا ، فأدغمت النون الأولى في الثانية ، بدءوا بالإنكار عليه في ترك إرساله معهم ، كأنهم قالوا : إنك لا ترسله معنا ، أتخافنا عليه ؟ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ سورة يوسف آية 11 قَالَ مقاتل : في الكلام تقديم وتأخير . وذلك أنهم قالوا لأبيهم : أرسله معنا . فقال أبوهم : إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ سورة يوسف آية 13 . فحينئذ قالوا : مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ سورة يوسف آية 11 . النصح ههنا : هو القيام بالمصلحة ، وقيل : البر والعطف . معناه : إنا عاطفون عليه ، قائمون بمصلحته ، نحفظه حتى نرده إليك . أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا سورة يوسف آية 12 إلى الصحراء ، يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ سورة يوسف آية 12 قرأ أبو عمرو ، وابن عامر بالنون فيهما ، وجزم العين في نرتع وقرأ أهل الكوفة بالياء فيهما ، وجزم العين في يرتع يعني : يوسف ، وقرأ يَعْقُوب نرتع بالنون ، ويلعب بالياء ، والرتع : هو الاتساع في الملاذ ، يقَالَ : رتع فلان في ماله . إذا أنفقه في شهواته ، يريد : ونتنعم ، ونأكل ، ونشرب ، ونلهوا ، وننشط ، وقرأ أهل الحجاز يرتع بكسر العين ، وهو يفتعل من الرعي , ثم ابن كثير قرأ بالنون فيهما ، أي : نتحارس ، ويحفظ بعضنا بعضا ، وقرأ أبو جعفر ونافع بالياء إخبارا عَنْ يوسف ، أي : يرعى الماشية كما نرعى نحن . وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ سورة يوسف آية 12 . قَالَ سورة يوسف آية 13 لهم يَعْقُوب : إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ سورة يوسف آية 13 أي : يحزنني ذهابكم به ، والحزن ههنا : ألم القلب وفراق المحبوب ، وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ سورة يوسف آية 13 وذلك أن يَعْقُوب كان رأى في المنام أن ذئبا شد على يوسف ، فكان يخاف من ذلك ، فمن ثم قَالَ هذه المقالة . قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ { 14 } فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ { 15 } سورة يوسف آية 14-15 . قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ سورة يوسف آية 14 عشرة ، إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ سورة يوسف آية 14 عجزه ضعفاء ، فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا سورة يوسف آية 15 أي : عزموا ، أَنْ يَجْعَلُوهُ سورة يوسف آية 15 يلقوه ، فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ سورة يوسف آية 15 هذه الواو زائدة ، تقديره : أوحينا إليه ، كقوله تعالى : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ { 103 } وَنَادَيْنَاهُ سورة الصافات آية 103-104 . أي : ناديناه ، لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ سورة يوسف آية 15 أي : أوحينا إلى يوسف عليه السلام لتصدقن رؤياك ، ولتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا ، وهم لا يشعرون بوحي اللَّه وإعلامه إياه ذلك ، قاله مجاهد . وقيل : معناه : وهم لا يشعرون يوم تخبرهم أنك يوسف ، وذلك حين دخلوا عليه ، فعرفهم وهم منكرون . وذهب وهب وغيره أنهم أخذوا يوسف عليه السلام بغاية الإكرام ، وجعلوا يحملونه ، فلما برزوا إلى البرية ألقوه ، وجعلوا يضربونه ، فإذا ضربه واحد منهم ، استغاث بالآخر ، فضربه الآخر ، فجعل لا يرى منهم رحيما ، فضربوه حتى كادوا يقتلونه ، وهو يصيح : يا أبتاه ، لو تعلم ما يصنع بابنك بنو الإماء . فلما كادوا أن يقتلوه ، قَالَ لهم يهوذا : أليس قد أعطيتموني موثقا أن لا تقتلوه ؟ فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه فيه ، وكان ابن اثنتي عشرة سنة ، وقيل : ثمانية عشرة سنة . فجاءوا به إلى بئر على غير الطريق ، واسعة الأسفل ، ضيقة الرأس ، قَالَ مقاتل : على ثلاثة فراسخ من منزل يَعْقُوب عليه السلام . وقَالَ كعب : بين مدين ومصر . وقال وهب : بأرض الأردن . وقال قتادة : هي بئر ببيت المقدس . فجعلوا يدلونه في البئر ، فيتعلق بشفير البئر ، فربطوا يديه ، ونزعوا قميصه , فقال : يا إخوتاه ، ردوا علي القميص ، أتوارى به في الجب . فقالوا : ادع الشمس والقمر والكواكب تواريك . قَالَ : إني لم أر شيئا . فألقوه فيها . وقيل : جعلوه في دلو ، وأرسلوه فيها ، حتى إذا بلغ نصفها ، ألقوه إرادة أن يموت ، فكان في البئر ماء ، فسقط فيه , ثم أوى إلى صخرة فيها ، فقام عليها . وقيل : إنهم لما ألقوه فيها ، جعل يبكي ، فنادوه ، فظن أن رحمة أدركتهم ، فأجابهم ، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه ، فمنعهم يهوذا ، وكان يهوذا يأتيه بالطعام ، وبقي فيها ثلاث ليال . وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا سورة يوسف آية 15 والأكثرون على أن اللَّه تعالى أوحى إليه بهذا ، وبعث إِلَيْهِ جبريل عليه السلام يؤنسه ، ويبشره بالخروج ، ويخبره أنه ينبئهم بما فعلوه ، ويجازيهم عليه وهم لا يشعرون . قَالَ ابن عباس ، رضي اللَّه عنهما : ثم إنهم ذبحوا سخلة ، وجعلوا دمها على قميص يوسف عليه السلام . وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ { 16 } قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ سورة يوسف آية 16-17 . وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ سورة يوسف آية 16 قَالَ أهل المعاني : جاءوا في ظلمة العشاء ليكونوا أجرأ على الاعتذار بالكذب . وروي : أن يَعْقُوب عليه السلام سمع صياحهم وعويلهم ، فخرج , وقال : ما لكم يا بني ؟ هل أصابكم في غنمكم شيء ؟ قالوا : لا . قَالَ : فما أصابكم وأين يوسف ؟ قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ سورة يوسف آية 17 أي : نترامى وننتصل , وقال السدي : نشتد على أقدامنا ، وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا سورة يوسف آية 17 أي : عند ثيابنا وأقمشتنا ، فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا سورة يوسف آية 17 بمصدق لنا ، وَلَوْ كُنَّا سورة يوسف آية 17 وإن كنا ، صَادِقِينَ سورة يوسف آية 17 . فإن قيل : كيف قالوا ليعقوب : أنت لا تصدق الصادق ؟ قيل : معناه : إنك تتهمنا في هذا الأمر ، لأنك خفتنا في الابتداء ، واتهمتنا في حقه . وقيل : معناه : لا تصدقنا ، لأنه لا دليل لنا على صدقنا ، وإن كنا صادقين عند اللَّه . وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ { 18 } وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ { 19 } سورة يوسف آية 18-19 . وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ سورة يوسف آية 18 أي : بدم هُوَ كذب ، لأنه لم يكن دم يوسف ، وقيل : بدم مكذوب فيه ، فوضع المصدر موضع الاسم . وفي القصة أنهم لطخوا القميص بالدم ، ولم يشقوه , فقال يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَامُ : كيف أكله الذئب ولم يشق قميصه ؟ فاتهمهم ، قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ سورة يوسف آية 18 زينت ، لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ سورة يوسف آية 18 معناه : فأمري صبر جميل ، أو فعلي صبر جميل ، وقيل : فصبر جميل أختاره . والصبر الجميل : الذي لا شكوى فيه ولا جزع ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ سورة يوسف آية 18 أي : أستعين بالله على الصبر على ما تكذبون ، وفي القصة : أنهم جاءوا بذئب ، وقالوا : هذا الذي أكله , فقال له يَعْقُوب : يا ذئب ، أنت أكلت ولدي وثمرة فؤادي ؟ فأنطقه اللَّه عز وجل , فقال : تالله ما رأيت وجه ابنك قط . قَالَ : كيف وقعت بأرض كنعان ؟ قَالَ : جئت لصلة قرابة ، فصادني هؤلاء . فمكث يوسف في البئر ثلاثة أيام . وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ سورة يوسف آية 19 وهم القوم المسافرون ، سموا سيارة ، لأنهم يسيرون في الأرض ، كانت رفقة من مدين تريد مصر ، فأخطئوا الطريق ، فنزلوا قريبا من الجب ، وكان الجب في قفر بعيد منِ العمران للرعاة والمارة ، وكان ماؤه مالحا ، فعذب حين ألقي يوسف عليه السلام فيه ، فلما نزلوا ، أرسلوا رجلا من أهل مدين ، يقال له : مالك بن ذعر ، لطلب الماء ، فذلك قوله عز وجل : فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ سورة يوسف آية 19 والوارد : الذي يتقدم الرفقة إلى الماء ، فيهيئ الأرشية والدلاء ، فَأَدْلَى دَلْوَهُ سورة يوسف آية 19 أي : أرسلها في البئر ، يقال : أدليت الدلو . إذا أرسلتها في البئر ، ودلوتها . إذا أخرجتها ، فتعلق يوسف بالحبل ، فلما خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون ، قَالَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أعطي يوسف شطر الحسن " . ويقال : إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة ، وكانت قد أعطيت سدس الحسن . وقال ابن إِسْحَاق : ذهب يوسف وأمه بثلثي الحسن . فلما رآه مالك بن ذعر ، قَالَ يَا بُشْرَى سورة يوسف آية 19 قرأ الأكثرون هكذا بالألف وفتح الياء ، بشر المستقي أصحابه ، يقول : أبشروا . وقرأ أهل الكوفة يا بشرى بغير إضافة ، يريد : نادى المستقي رجلا من أصحابه اسمه : بشرى ، هَذَا غُلامٌ سورة يوسف آية 19 وروى ابن مجاهد ، عَنْ أبيه ، أن جدران البئر كانت تبكي على يوسف حين أخرج منها ، وَأَسَرُّوهُ سورة يوسف آية 19 أي : أخفوه ، بِضَاعَةً سورة يوسف آية 19 قَالَ مجاهد : أسره مالك بن ذعر وأصحابه من التجار الذين معهم ، وقالوا : هذا بضاعة استبضعها بعض أهل الماء إلى مصر خيفة أن يطلبوا منهم فيه المشاركة . وقيل : أراد : أن إخوة يوسف أسروا شأن يوسف ، وقالوا : هذا عبد لنا أبق . قال الله تعالى : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ سورة يوسف آية 19 فأتى يهوذا يوسف بالطعام ، فلم يجده في البئر ، فأخبر بذلك إخوته ، فطلبوه ، فإذا هم بمالك وأصحابه نزولا ، فأتوهم ، فإذا هم بيوسف , فقالوا : هذا عبد آبق منا . ويقال : إنهم هددوا يوسف حتى لم يعرف حاله . وقال مثل قولهم , ثم باعوه ، فذلك قوله عز وجل . وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ سورة يوسف آية 20 . وَشَرَوْهُ سورة يوسف آية 20 أي : باعوه ، بِثَمَنٍ بَخْسٍ سورة يوسف آية 20 قَالَ الضحاك ، ومقاتل ، والسدي : حرام ، لأن ثمن الحر حرام ، وسمي الحرام بخسا ، لأنه مبخوس البركة . وعن ابن عباس ، وابن مسعود : بَخْسٍ سورة يوسف آية 20 أي : زيوف . دَرَاهِمَ سورة يوسف آية 20 بدل من الثمن ، مَعْدُودَةٍ سورة يوسف آية 20 ذكر العدد عبارة عَنْ قلتها ، وقيل : إنما قَالَ : معدودة لأنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ما كان أقل من أربعين درهما ، إنما كانوا يعدونها عدا ، فإذا بلغت أوقية وزنوها . واختلفوا في عدد تلك الدراهم , قال ابن عباس ، وابن مسعود ، وقتادة : عشرون درهما ، فاقتسموها درهمين درهمين . وقَالَ مجاهد : اثنان وعشرون درهما . وقال عكرمة : أربعون درهما . وَكَانُوا سورة يوسف آية 20 يعني : إخوة يوسف ، فِيهِ سورة يوسف آية 20 أي : في يوسف ، مِنَ الزَّاهِدِينَ سورة يوسف آية 20 لأنهم لم يعلموا منزلته عند اللَّه ، وقيل : كانوا في الثمن من الزاهدين ، لأنهم لم يكن قصدهم تحصيل الثمن ، إنما كان قصدهم تبعيد يوسف عَنْ أبيه . ثم انطلق مالك بن ذعر وأصحابه بيوسف ، فتبعهم إخوته ، يقولون : استوثقوا منه لا يأبق . قَالَ : فذهبوا به حتى قدموا مصر ، وعرضه مالك على البيع ، فاشتراه قطفير ، قاله ابن عباس . وقيل : إظفير صاحب أمر الملك ، وكان على خزائن مصر ، يسمى العزيز ، وكان الملك يومئذ بمصر ونواحيها الريان بن الوليد بن شروان من العمالقة . وقيل : إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتبع يوسف على دينه , ثم مات ويوسف حي . قَالَ ابن عباس ، رضي اللَّه عنهما : لما دخلوا مصر ، تلقى قطفير مالك بن ذعر ، فابتاع منه يوسف بعشرين دينارا ، وزوج نعل ، وثوبين أبيضين . وقال وهب بن منبه : قدمت السيارة بيوسف مصر ، فدخلوا به السوق ، يعرضونه للبيع ، فترافع الناس في ثمنه ، حتى بلغ ثمنه وزنه ذهبا ، ووزنه فضة ، ووزنه مسكا وحريرا ، وكان وزنه أربع مائة رطل ، وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، فابتاعه قطفير من مالك بن ذعر بهذا الثمن . فذلك قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ سورة يوسف آية 21 . وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ سورة يوسف آية 21 واسمها : راعيل ، وقيل : زليخا . أَكْرِمِي مَثْوَاهُ سورة يوسف آية 21 أي : منزلته ، ومقامه ، والمثوى : موضع الإقامة ، وقيل : أكرميه في المطعم ، والملبس ، والمقام . وقال قتادة ، وابن جريج : منزلته . عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا سورة يوسف آية 21 أي : نبيعه بالربح إن أردنا البيع ، أو يكفينا إذا بلغ بعض أمورنا ، أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا سورة يوسف آية 21 أي : نتبناه . قَالَ ابن مسعود ، رضي اللَّه عنه : أفرس الناس ثلاثة : العزيز في يوسف ، حيث قَالَ لامرأته : أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا سورة يوسف آية 21 ، وابنة شعيب عليه السلام ، حيث قالت لأبيها في موسى عليه السلام : يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ سورة القصص آية 26 . وأبو بكر في عمر ، رضي اللَّه عنهما ، حيث استخلفه . وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ سورة يوسف آية 21 أي : في أرض مصر ، أي : كما أنقذنا يوسف من القتل ، وأخرجناه من الجب ، كذلك مكنا له في الأرض ، فجعلناه على خزائنها ، وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ سورة يوسف آية 21 أي : مكنا له في الأرض ، لكي نعلمه من تأويل الأحاديث ، وهي عبارة عَنِ الرؤيا ، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ سورة يوسف آية 21 قيل : الهاء في أمره كناية عَنِ اللَّه تعالى ، يقول : إن اللَّه غالب على أمره يفعل ما يشاء ، لا يغلبه شيء ، ولا يرد حكمه راد . وقيل : هي راجعة إلى يوسف عليه السلام ، معناه : إن اللَّه مستول على أمر يوسف بالتدبير والحياطة ، لا يكله إلى أحد حتى يبلغ منتهى علمه فيه ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ سورة يوسف آية 21 ما اللَّه به صانع . وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ سورة يوسف آية 22 . وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ سورة يوسف آية 22 منتهى شبابه ، وشدته ، وقوته ، قَالَ مجاهد : هم ثلاثا وثلاثين سنة . وقال السدي : ثلاثين سنة . وقال الضحاك : عشرين سنة . وقال الكلبي : الأشد : ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة . وسئل مالك رحمه اللَّه عَنِ الأشد ، قَالَ : هو الحلم . آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا سورة يوسف آية 22 فالحكم : النبوة ، والعلم : الفقه في الدين . وقيل : حكما ، يعني : إصابة في القول ، وعلما : بتأويل الرؤيا ، وقيل : الفرق بين الحكيم والعالم ، أن العالم : هو الذي يعلم الأشياء ، والحكيم : الذي يعمل بما يوجبه العلم . وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ سورة يوسف آية 22 قَالَ ابن عباس ، رضي اللَّه عنهما : المؤمنين . وعنه أيضا : المهتدين . وقال الضحاك : الصابرين على النوائب كما صبر يوسف عليه السلام . وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ سورة يوسف آية 23 . وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ سورة يوسف آية 23 يعني : امرأة العزيز ، والمراودة : طلب الفعل ، والمراد ههنا : أنها دعته إلى نفسها ليواقعها . وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ سورة يوسف آية 23 أي : أطبقتها ، وكانت سبعة ، وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ سورة يوسف آية 23 أي : هلم وأقبل ، قرأه أهل الكوفة والبصرة هيت لك بفتح الهاء والتاء ، وقرأ أهل المدينة والشام هيت بكسر الهاء وفتح التاء ، وقرأ ابن كثير هيت بفتح الهاء وضم التاء ، وقرأ السلمي وقتادة هئت لك بكسر الهاء وضم التاء مهموزا ، يعني : تهيأت لك ، وأنكره أبو عمرو والكسائي ، وقالا : لم يحك هذا عَنِ العرب . والأول هو المعروف عند العرب ، قَالَ ابن مسعود ، رضي اللَّه عنه : أقرأني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هيت لك . قَالَ أبو عبيدة : كان الكسائي ، يقول : هي لغة لأهل حوران رفعت إلى الحجاز ، معناها : إلي تعال . وقال عكرمة : هي أيضا بالحورانية هلم . وقال مجاهد وغيره : هي لغة عربية ، وهي كلمة حث ، وإقبال على الشيء . قَالَ أبو عبيدة : إن العرب لا تثني هيت ، ولا تجمع ، ولا تؤنث ، وإنها بصورة واحدة في كل حال . قَالَ سورة يوسف آية 23 يوسف لها عند ذلك : مَعَاذَ اللَّهِ سورة يوسف آية 23 أي : أعوذ بالله ، وأعتصم بالله مما دعوتني إليه ، إِنَّهُ رَبِّي سورة يوسف آية 23 يريد : أن زوجك قطفير سيدي ، أَحْسَنَ مَثْوَايَ سورة يوسف آية 23 أي : أكرم منزلي ، هذا قول أكثر المفسرين ، وقيل : الهاء راجعة إلى اللَّه تعالى ، يريد : أن اللَّه تعالى ربي أحسن مثواي : أي : آواني ، ومن بلاء الجب عافاني . إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ سورة يوسف آية 23 يعني : إن فعلت هذا ، فخنته في أهله بعدما أكرم مثواي ، فأَنَا ظالم ، وَ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ سورة يوسف آية 23 . وقيل : لا يفلح الظالمون أي : لا يسعد الزناة . وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ سورة يوسف آية 24 وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا سورة يوسف آية 24 والهم : هو المقاربة من الفعل من غير دخول فيه ، فهمها : عزمها على المعصية والزنا ، وأما همه : فروي عَنِ ابن عباس ، رضي اللَّه عنهما ، أنه قَالَ : حل الهميان ، وجلس منهما مجلس الخائن . وعن مجاهد ، قَالَ : حل سراويله ، وجعل يعالج ثيابه . وهذا قول أكثر المتقدمين مثل سَعِيد ابن جبير والحسن . وقال الضحاك : جرى الشيطان فيما بينهما ، فضرب بإحدى يديه إلى جيد يوسف ، وباليد الأخرى إلى جيد المرأة حتى جمع بينهما . قَالَ أبو عبيد القاسم بن سلام : قد أنكر قوم هذا القول ، والقول ما قَالَ متقدمو هذه الأمة ، وهم كانوا أعلم بالله أن يقولوا في الأنبياء عليهم السلام من غير علم . وقال السدي وابن إِسْحَاق : لما أرادت امرأة العزيز مراودة يوسف عليه السلام عَنْ نفسه ، جعلت تذكر له محاسن نفسه ، وتشوقه إلى نفسها , فقالت : يا يوسف ، ما أحسن شعرك ! قَالَ : هو أول ما ينتثر من جسدي . قالت : ما أحسن عينيك ! قَالَ : هي أول ما تسيل على وجهي في قبري . قالت : ما أحسن وجهك ! قَالَ : هُوَ للتراب يأكله . وقيل : إنها قالت : إن فراش الحرير مبسوط ، فقم ، فاقض حاجتي . قَالَ : إذا يذهب نصيبي من الجنة . فلم تزل تطمعه ، وتدعوه إلى اللذة ، وهو شاب يجد من شبق الشباب ما يجده الرجل ، وهي امرأة حسناء جميلة ، حتى لان لها مما يرى من كلفها ، وهم بها , ثم إن اللَّه تعالى تدارك عبده ونبيه بالبرهان الذي ذكره . وزعم بعض المتأخرين أن هذا لا يليق بحال الأنبياء عليهم السلام , وقال : تم الكلام عند قوله : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ سورة يوسف آية 24 ثم ابتدأ الخبر عَنْ يوسف عليه السلام , فقال : وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ سورة يوسف آية 24 على التقديم والتأخير ، وأي : لولا أن رأى برهان ربه لهم بها ، ولكنه رأى البرهان ، فلم يهم . وأنكره النحاة ، وقالوا : إن العرب لا تؤخر " لولا " عَنِ الفعل ، فلا تقول : لقد قمت لولا زيد . وهو يريد : لولا زيد لقمت . وقيل : همت بيوسف أن يفترشها ، وهم بها يوسف ، أي : تمنى أن تكون له زوجة . وهذا التأويل وأمثاله غير مرضية ، لمخالفتها أقاويل القدماء من العلماء الذين يؤخذ عنهم الدين والعلم , وقال بعضهم : إن القدر الذي فعله يوسف عليه السلام ، كان من الصغائر ، والصغائر تجوز على الأنبياء عليهم السلام . روي أن يوسف عليه السلام لما دخل على الملك حين خرج من السجن ، وأقرت المرأة ، قَالَ يوسف : ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ سورة يوسف آية 52 . قَالَ له جبريل : ولا حين هممت بها يا يوسف . فقال يوسف عند ذلك : وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي سورة يوسف آية 53 الآية . وقال الحسن البصري : إن اللَّه تعالى لم يذكر ذنوب الأنبياء عليهم السلام في القرآن ليعيرهم ، ولكن ذكرها ليبين موضع النعمة عليهم ، ولئلا ييأس أحد من رحمته . وقيل : إنه ابتلاهم بالذنوب ليتفرد بالطهارة والعزة ، ويلقاه جميع الخلق يوم القيامة على انكسار المعصية . وقيل : ليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء الرحمة ، وترك الإياس من المغفرة والعفو . وقال بعض أهل الحقائق : الهم همان : هم ثابت ، وهو إذا كان معه عزم وعقد ورضى ، مثل هم امرأة العزيز ، والعبد مأخذ به ، وهم عارض : وهو الخطرة ، وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم ، مثل هم يوسف عليه السلام ، فالعبد غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل .