حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ° ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ° ، قَالَ : حدثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ الْفِرْيَابِيُّ ° ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ° ، قَالَ : حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ° ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ° ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ ° ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ° " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ " ، قَالَ سُفْيَانُ : قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَلَمْ أَسْمَعْ هَذَا حَتَّى أَتَيْتُ الشَّامَ
قال أبو عمر : روى عن خزيمة بن جزي رجل من الصحابة ، أنه قَالَ : قدمت المدينة فأتيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقلت : جئت أسألك عن أحفاش الأرض ، قَالَ : " سل عما شئت " ، فسألته عن الضب ؟ فقال : " لا آكله ولا أحرمه " . فقلت : إني آكل ما لم تحرم ، قَالَ : " إنها فقدت أمة وإني رأيت خلقا رابني " . قَالَ : وسألته عن الأرنب ؟ فقال : " لا آكله ، ولا أحرمه " . قَالَ : إني آكل ما لم تحرم . قَالَ : " إنها تدمى " . قَالَ : وسألت عن الثعلب ؟ فقال : " ومن يأكل الثعلب " . وسألت عن الضبع ؟ فقال : " ومن يأكل الضبع " . قَالَ : وسألته عن الذئب ؟ فقال : " أو يأكل الذئب أحد " وهذا حديث قد جاء إلا أنه لا يحتج بمثله لضعف إسناده ، ولا يعرج عليه ، لأنه يدور على عبد الكريم بن أبي المخارق ، وليس يرويه غيره ، وهو ضعيف متروك الحديث . وقد روى من حديث عبد الرحمن بن معقل صاحب الدثنية ، وهو رجل يعد في الصحابة نحو هذا الحديث ، قَالَ : قلت : يا رسول الله ، ما تقول في الضبع ؟ قَالَ : " لا آكله ، ولا أنهي عنه " . قَالَ : قلت : ما لم تنه عنه ، فإني آكله . قَالَ : قلت : يا رسول الله فما تقول في الضب ؟ قَالَ : " لا آكله ، ولا أنهي عنه " . قَالَ : قلت : ما لم تنه عنه فإني آكله . قَالَ : وقلت : ما تقول في الأرنب ؟ قَالَ : " لا آكلها ولا أحرمها " . قَالَ : قلت : ما لم تحرمه فإني آكله . قَالَ : قلت : يا رسول الله ، ما تقول في الذئب ؟ قَالَ : " أو يأكل ذلك أحد " . قَالَ : قلت : " يا رسول الله ، ما تقول في الثعلب ؟ قَالَ : " أو يأكل ذلك أحد " . وهو أيضا حديث ضعيف ، وإسناده ليس بالقائم عند أهل العلم ، وهو يدور على أبى محمد رجل مجهول ، وهو حديث لا يصح عندهم ، وعبد الرحمن بن معقل لا يعرف إلا بهذا الحديث ، ولا تصح صحبته . وإنما ذكرت هذا الحديث والذي قبله ليوقف عليهما ولرواية الناس لهما ، ولتبيين العلة فيهما ، وأما جلود السباع المذكاة لجلودها ، فقد اختلف أصحابنا في ذلك ، فروى ابن القاسم عن مالك أن السباع إذا ذكيت لجلودها حل بيعها ولباسها والصلاة عليها . قال أبو عمر : الذكاة عنده في السباع لجلودها أكمل طهارة في هذه الرواية ، من الدباغ في جلود الميتة ، وهو قول ابن القاسم ، وقال ابن القاسم في المدونة : لا يصلى على جلد الحمار ، وإن ذكي ، وقوله : أن الحمار الأهلي لا تعمل فيه الذكاة . وقال ابن حبيب في كتابه : إنما ذلك في السباع المختلف فيها ، فأما المتفق عليها ، فلا يجوز بيعها ولا لبسها ولا الصلاة بها ، ولا بأس بالانتفاع بها إذا ذكيت كجلد الميتة المدبوغ . قَالَ ابن حبيب : ولو أن الدواب الحمير والبغال ذكيت لجلودها ، لما حل بيعها ولا الانتفاع بها ولا الصلاة فيها إلا الفرس ، فإنه لو ذكي لحل بيع جلده والانتفاع به للصلاة وغيرها لاختلاف الناس في تحريمه . وقال أشهب : أكره بيع جلود السباع وإن ذكيت ما لم تدبغ . قَالَ : وأرى أن يفسخ البيع فيها ويفسخ ارتهانها ، وأرى أن يؤدب فاعل ذلك إلا أن يعذر بالجهالة ، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حرم أكل كل ذي ناب من السباع ، فالذكاة فيها ليست بذكاة . وروى أشهب ، عن مالك ، في كتاب الضحايا من المستخرجة ، أن ما لا يؤكل لحمه ، فلا يطهر جلده بالدباغ ، وهذه المسألة في سماع أشهب ، وأبن نافع ، وسئل مالك : أترى ما دبغ من جلود الدواب طاهرا ؟ فقال : أنما يقال هذا في جلود الأنعام ، فأما جلود ما لا يؤكل لحمه ، فكيف يكون جلده طاهرا إذا دبغ ، وهو مما لا ذكاة فيه ولا يؤكل لحمه . قال أبو عمر : لا أعلم أحدا من الفقهاء قَالَ بما رواه أشهب عن مالك في جلد ما لا يؤكل لحمه ، أنه لا يطهر بالدباغ إلا أبا ثور إبراهيم بن خالد الكلبي ، فإنه قَالَ في كتابه في جلود الميتة : كل ما كان مما لو ذكى حل أكله ، فمات لم يتوضأ في جلده ، ولم ينتفع بشيء منه حتى يدبغ ، فإذا دبغ ، فقد طهر ، قَالَ : وما لا يؤكل لو ذكى لم يتوضأ في جلده وإن دبغ ، قَالَ : وذلك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ في جلد شاة ماتت : " ألا دبغتم جلدها فانتفعتم به " ، ونهى عن جلود السباع . قَالَ : فلما روى الخبران أخذنا بهما جميعا ، لأن الكلامين جميعا لو كانا في مجلس واحد كان كلاما صحيحا ، ولم يكن فيه تناقض قَالَ : ولا أعلم خلافا أنه لا يتوضأ في جلد خنزير ، وإن دبغ ، فلما كان الخنزير حراما لا يحل أكله ، وإن ذكي وكانت السباع لا يحل أكلها ، وإن ذكيت كان حراما أن ينتفع بجلودها وإن دبغت ، وأن يتوضأ فيها قياسا على ما أجمعوا عليه من الخنزير إذ كانت العلة واحدة . وذكر عن هشيم ، عن منصور ، عن الحسن ، أن عليا كره الصلاة في جلود البغال . قال أبو عمر : ما قاله أبو ثور صحيح في الذكاة : أنها لا تعمل فيما لا يحل أكله ، إلا أن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كل إهاب دبغ فقد طهر " . قد دخل فيه كل جلد ، إلا أن جمهور السلف أجمعوا على أن جلد الخنزير لا يدخل في ذلك ، فخرج بإجماعهم هذا إن صح أن للخنزير جلدا يوصل إليه ويستعمل ، وإن كان أصحابنا قد اختلفوا في ذلك على ما سنذكره ونوضحه في باب حديث زيد بن أسلم ، عن ابن وعلة ، عن ابن عباس ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ : " كل إهاب دبغ فقد طهر " . إن شاء الله . والحديث الذي ذكرأبو ثور ، في النهي عَنْ جلود السباع