فَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ° ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ° ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ° ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ° ، عَنِ الْأَعْمَشِ ° ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ° ، عَنْ كُرَيْبٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ ° ، عَنْ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ ° ، قَالَتْ : وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلًا يَغْتَسِلُ بِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ فَأَكْفَأَ الْإِنَاءَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى فَغَسَلَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى فَرْجِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِشِمَالِهِ ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ فَغَسَلَهَا ، ثُمَّ مَضْمَضَ ، وَاسْتَنْشَقَ ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ، وَيَدَيْهِ ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ ، ثُمَّ تَنَحَّى نَاحِيَةً فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ، فَنَاوَلَتْهُ الْمِنْدِيلَ فَلَمْ يَأْخُذْهُ وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ عَنْ جَسَدِهِ
قال الأعمش : فذكرت ذلك لإبراهيم ، فقال : كانوا لا يرون بالمنديل بأسا ، ولكن كانوا يكرهون العادة . هذا الحديث لصحته يرد ما رواه شعبة مولى ابن عباس ، عن ابن عباس ، أنه كان إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه سبعا ، وفرجه سبعا ، وشعبة هذا ليس بالقوي . وقد روي عن ابن عمر ، قَالَ : كانت الصلاة خمسين ، والغسل من الجنابة سبع مرات ، وغسل الثوب من البول سبع مرات ، فلم يزل رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسأل حتى جعلت الصلاة خمسا ، والغسل من الجنابة مرة ، وغسل الثوب من البول مرة . وإسناد هذا الحديث أيضا عن ابن عمر فيه ضعف ولين ، وإن كان أبو داود قد خرجه وخرج الذي قبله ، عن شعبة ، مولى ابن عباس . وأما قوله في حديث عائشة : يتوضأ وضوءه للصلاة . فيحتمل أنها أرادت بدأ بمواضع الوضوء ، والدليل على ذلك أنه ليس في شيء من الآثار الواردة عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غسل الجنابة ، أنه أعاد غسل تلك الأعضاء ، ولا إعادة المضمضة ولا الاستنشاق . وأجمع العلماء على أن ذلك كله لا يعاد من أوجب منهم المضمضة والاستنشاق ، ومن لم يوجبها وقد مضى القول في ذلك في باب زيد بن أسلم ، والحمد لله . واختلف قول مالك في تخليل الجنب لحيته في غسله من الجنابة ، فروى ابن القاسم عَنْهُ ، أنه قَالَ : ليس ذلك عليه . وروى أشهب عَنْهُ أن عليه تخليل لحيته من الجنابة . قال ابن عبد الحكم ، وهو أحب إلينا ، لأن رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخلل شعره في غسل الجنابة ، واختلاف الفقهاء في ذلك على هذين القولين ، وفي حديث عائشة هذا ما يشهد لصحة قول من رأى التخليل ، لأن قولها فيه : فيدخل أصابعه في الماء ، فيخلل بها أصول شعره ، يقتضي عمومه شعر لحيته ورأسه ، وإن كان الأظهر فيه شعر رأسه ، والله أعلم . واختلف العلماء في الجنب يغتسل في الماء ، ويعم جسده ورأسه كله بالغسل أو ينغمس في الماء ويعم بذلك جميع جسده دون أن يتدلك ، فالمشهور من مذهب مالك أنه لا يجزيه حتى يتدلك لأن اللَّه أمر الجنب بالاغتسال ، كما أمر المتوضئ بغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ، ولم يكن بد للمتوضئ من إمرار يديه مع الماء على وجهه ، وعلى يديه ، فكذلك جميع جسد الجنب ورأسه في حكم وجه المتوضئ وحكم يديه ، وهذا قول المزني واختياره ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَسَلَ جَسَدَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ ، وقال أبو الفرج : وهذا هُوَ المعقول من لفظ الغسل ، لأن الاغتسال في اللغة هُوَ الافتعال ، ومتى لم يمر يديه فلم يفعل غير صب الماء ، ولا يسميه أهل اللسان غاسلا ، بل يسمونه صابا للماء ومنغمسا فيه . قَالَ : وَعَلَى نَحْوِ ذَلِكَ جَاءَتِ الْآثَارُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ ، فَبُلُّوا وَاغْسِلُوا الشَّعْرَ ، وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ ، قَالَ : وإنقاؤه والله أعلم لا يكون إلا لمتبعه على حد ما ذكرناه . قال أبو الفرج : وتخريج هذا عندي والله أعلم ، أنه لما كان المعتاد من المنغمس في الماء وصابه عليه أنهما لا يكادان يسلمان من تنكب الماء مواضع المبالغة المأمور بها ، وجب لذلك عليهما أن يمرا أيديهما ، قَالَ : فأما إن طال مكث الإنسان في ماء أو والى بين صبه عليه ، من غير أن يمر يديه على بدنه ، فإنه ينوب له عن إمرار يديه ، قَالَ : وإلى هذا المعنى والله أعلم ذهب مالك ، رحمه اللَّه . هذا كله قول أبي الفرج ، وقد عاد إلى جواز الغسل للمنغمس في الماء إذا أسبغ وعم ، وعلى ذلك جماعة الفقهاء وجمهور العلماء ، وقد روي ذلك عن مالك أيضا نصا . أخبرنا أحمد بن سعيد بن بشر ، قَالَ : حدثنا مسلمة بن القاسم ، قَالَ : حدثنا محمد بن زبان ، قَالَ : حدثنا سلمة بن شبيب ، قَالَ : حدثنا مروان بن محمد ، قَالَ : سألت مالك بن أنس ، عن رجل اغتمس في ماء وهو جنب ولم يتوضأ وصلى ، قَالَ : مضت صلاته فهذه الرواية ، فيها أنه لم يتدلك ، ولا توضأ ، وقد أجزأه عند مالك ، لكن المعروف من مذهبه ما وصفنا من التدلك وقد روي عن الحسن وعطاء مثل ذلك . وروي عنهما خلافه . ذكر دحيم ، عن كثير بن هشام ، عن جعفر بن برقان ، عن ميمون بن مهران ، قَالَ : إذا اغتسلت من الجنابة فادلك جلدك وكل شيء نالته يدك . قَالَ : وحدثنا الوليد ، حدثنا الأوزاعي ، عن الزهري : في الجنب ينغمس في نهر ، قَالَ : يجزيه ، قَالَ : وحدثنا أبو حفص ، أنه سأل الأوزاعي عن جنب طرح نفسه في نهر وهو جنب ، لم يزد على أن انغمس مكانه ، قَالَ : يجزيه . وعن الشعبي ، ومحمد بن علي ، وعطاء ، والحسن البصري ، قالوا : إذا اغتمس الجنب في نهر اغتماسة أجزأه . وقال أبو حنيفة ، والشافعي ، وأصحابهما ، والثوري ، والأوزاعي : يجزي الجنب إذا انغمس في الماء ، وإن لم يتدلك . وبه قَالَ أحمد بن حنبل ، وأبو ثور ، وإسحاق ، وداود ، والطبري ، ومحمد بن عبد الحكم ، وهو قول الحسن البصري ، وإبراهيم النخعي ، وعامر الشعبي ، وحماد بن أبي سليمان ، وعطاء ، كل هؤلاء يقول : إذا انغمس في الماء وقد وجب عليه الوضوء ، فعم الماء أعضاء الوضوء ، ونوى بذلك الطهارة أجزه ، وحجتهم أن كل من صب عليه الماء فقد اغتسل . والعرب تقول : غسلتني السماء . وقد حكت عائشة وميمونة صفة غسل رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يذكرا فيه التدلك ، ولو كان واجبا ما تركه رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لأنه المبين عن اللَّه مراده ، ولو فعله لنقل عَنْهُ ، كما نقل تخليل أصول الشعر بالماء ، وغرفه على رأسه ، وغير ذلك من صفة غسله ووضوئه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .