أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْمَعْرُوفِ ° ، أنا أَبُو سَهْلٍ الإِسْفَرَايِينِيُّ ° ، أنا أَبُو جَعْفَرٍ الْحَذَّاءُ ° ، ثنا عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ° ، ثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ ° ، ثنا أَبُو مَالِكٍ ° ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ° ، عَنْ حُذَيْفَةَ ° ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ كُلَّ صَانِعٍ وَصَنْعَتِهِ "
وَرُوِّينَا ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " الْخَيْرُ وَالشَّرُّ خَلِيقَتَانِ يُنْصَبَانِ لِلنَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ، وَرَوَيْنَا فِي هَذَا الْبَابِ بَيْنَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ ، وَهِيَ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ مَذْكُورَةٌ ، مَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا رَجَعَ إِلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلأَنَّ الإِنْسَانَ لَوْ صَحَّ أَنْ يُحْدِثَ شَيْئًا فِيمَا يَصِحُّ أَنْ يُحْدَثَ ، لَمْ يَكُنْ بَعْضُ مَا يَصِحُّ أَنْ يُحْدَثَ ، بِأَنْ يَكُونَ مُحْدِثُهُ بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ ، كَمَا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، لَمَّا صَحَّ أَنْ يُحْدِثَ ، لَمْ يَكُنْ بَعْضُ مَا يَصِحُّ أَنْ يُحْدَثَ بِأَنْ يَصِحَّ مِنْهُ ، إِحْدَاثُهُ بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ ، وَلأَنَّ الإِنْسَانَ مُحْدَثٌ ، وَالْمُحْدِثُ لا يَصِحُّ أَنْ يُحْدِثَ كَمَا أَنَّ الْحَرَكَةَ لا يَصِحُّ أَنْ تَتَحَرَّكَ ، وَلأَنَّ هَذِهِ الْحَوَادِثَ الَّتِي هِيَ تَقَعُ عَلَى وُجُوهٍ لا يَقْصِدُهَا كَكَوْنِ الْكُفْرِ قَبِيحًا مِنَ الْكَافِرِ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى قَصْدِهِ ، لأَنَّ الْكَافِرَ يَقْصِدُ أَنْ يَقَعَ كُفْرُهُ حَسَنًا غَيْرَ قَبِيحٍ ، وَلا يَقَعُ إِلا قَبِيحًا ، فَدَلَّ أَنَّ قَاصِدًا قَصَدَ إِيقَاعَهُ قَبِيحًا ، لأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَقَعَ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ فَاعِلٍ فَعَلَهُ عَلَى مَا هُوَ بِهِ ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ يَقَعُ مُتْعِبًا مُؤْلِمًا ، وَلَوْ قَصَدَ الْمُؤْمِنُ أَنْ يَقَعَ عَلَى خِلافِ هَذَا الْوَجْهِ لَمْ يَتَأَتَّ مِنْهُ ذَلِكَ ، دَلَّ أَنَّهُ وَقَعَ كَذَلِكَ لِقَصْدِ مَوْقِعٍ أَوْقَعَهُ كَذَلِكَ غَيْرَ الَّذِي لَوْ جَهَدَ لِخِلافِهِ أَنْ يَقَعَ لَمْ يَقَعْ ، وَلأَنَّا نَجِدُ الإِنْسَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِحَقَائِقِ أَفْعَالِهِ كُلِّهَا ، وَكَمِّيَّاتِهَا وَعَدَدِ أَجْزَائِهَا ، وَلا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُختَرِعًا لَهَا وَهُوَ لا يُحِيطُ بِهَا عِلْمًا ، إِذَا لَوْ سَاغَ ذَلِكَ لَمْ يُنْكَرْ أَنْ يَكُونَ سَائِرُ الْمُخْتَرَعِينَ كَذَلِكَ ، وَأَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حِكْمَةُ الْبَارِي فِي اخْتِرَاعِهِ ، وَلا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْكَسْبُ لأَنَّ الْكَسْبَ هُوَ اخْتِرَاعُ عَالِمٍ بِحَقَائِقِهِ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهِ ، جَعَلَهُ كَسْبًا لَنَا ، وَنَحْنُ مُكْتَسِبُونَ لَهُ غَيْرَ مُخْتَرِعِينَ لَهُ ، وَالَّذِي يُؤَكِّدُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ { 13 } أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ { 14 } سورة الملك آية 13-14 ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ خَلَقَ الإِسْرَارَ وَالْجَهْرَ اللَّذَيْنِ يُكْتَسَبَانِ بِالْقَلْبِ ، وَأَنَّهُ عَلِيمٌ بِهِمَا ، وَكَيْفَ لا يَعْلَمُ وَهُوَ خَلَقَهُمَا ؟ فَدَلَّ أَنَّ الْخَلْقَ يَقْتَضِي عِلْمَ الْخَالِقِ بِالْخَلْقِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ ، وَلأَنَّ الدَّلالَةَ قَدْ قَامَتْ أَنَّ كُلَّ مَقْدُورٍ فَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ لَقِيَامِ الدَّلالَةِ عَلَى أَنَّ الْقُدْرَةَ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ كَالْعِلْمِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَدِّرَ كُلَّ مَقْدُورٍ كَمَا يَعْلَمُ كُلَّ مَعْلُومٍ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِذَا وُجِدَ وَهُوَ مَقْدُورٌ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا لَهُ ، أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ كَمَا إِذَا وُجِدَ مَقْدُورُ الإِنْسَانِ مُرَادًا لَهُ لَمْ يَكُنْ فِعْلَهُ ، فَإِنْ قِيلَ : إِذَا كَانَ اللَّهُ خَالِقًا لِكَسْبِ الْعِبَادِ أَفَيَقُولُونَ : إِنَّ الْفِعْلَ وَقَعَ مِنْ فَاعِلَينَ ؟ قِيلَ : لا فَاعِلَ فِي الْحَقِيقَةِ إِلا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا أَنَّهُ لا خَالِقَ إِلا هُوَ ، وَالإِنْسَانُ مُكْتَسِبٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ غَيْرَ فَاعِلٍ وَلا مُحْدِثٍ الْعَيْنَ عَنِ الْعَدَمِ ، وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو الطَّيِّبِ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، يَقُولُ : فِعْلُ الْقَادِرِ الْقَدِيمُ خَلْقٌ ، وَفِعْلُ الْقَادِرِ الْمُحْدَثِ كَسْبٌ ، فَتَعَالَى الْقَدِيمُ عَنِ الْكَسْبِ ، وَجَلَّ وَصَغُرَ الْمُحَدَثُ عَنِ الْخَلْقِ وَذَلَّ ، وَقَالَ : فَإِنْ قِيلَ : أَفَتَقُولُونَ هُوَ مَقْدُورٌ لِقَادِرَيْنِ ؟ قِيلَ : نَعَمْ ، أَحَدُهُمَا بِخَلْقِهِ ، وَيَخْتَرِعُهُ ، وَيُخْرِجُهُ عَنِ الْعَدَمِ ، وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَالثَّانِي يَكْتَسِبُهُ ، وَلا يَخْلُقُهُ وَهُوَ الْعَبْدُ ، وَالْخَلْقُ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ قُدْرَةٌ أَزَلِيَّةٌ حَادِثَةٌ ، وَالْكَسْبُ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ قُدْرَةٌ حَادِثَةٌ ، فَالْقُدْرَةُ الأَزَلِيَّةُ تُؤَثِّرُ فِي الاخْتِرَاعِ ، وَالْقُدْرَةُ الْحَادِثَةُ تُؤَثِّرُ فِي الاكْتِسَابِ ، فَإِنْ قَالُوا : فَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ أَعْمَالَهُ كُلَّهَا أَعْمَالا لَهُ فَكَيْفَ يُثِيبَهُ وَيُعَاقِبُهُ ، وَقِيلَ لَيْسَ الثَّوَابُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلا بِتَفَضُّلٍ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الْعِقَابُ فَهُوَ لَوِ ابْتَلاهُ فِي الْعَذَابِ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ لأَنَّهُ مُلْكُهُ وَفِي قَبْضَتِهِ ، وَلَيْسَ الْكُفْرُ عِلَّةَ الْعِقَابِ ، وَلا الإِيمَانُ عِلَّةَ الثَّوَابِ ، إِنَّمَا هُمَا أَمَارَتَانِ جُعِلَتَا عَلَمَيْنِ لَهُمَا ، فَقِيلَ : إِنْ كُنْتَ كَافِرًا عُذِّبْتَ فِي الآخِرَةِ ، وَإِنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا عُوفِيتَ وَأُثِبْتَ ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ، وَالْكُفْرِ وَالإِيمَانِ خَلْقُهُ وَاخْتِرَاعُهُ لا لِعِلَّةٍ ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ، فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا عَاقَبَهُ مَا خَلَقَهُ لَهُ كَانَ ظَالِمًا لَهُ ، قِيلَ : لِمَ قُلْتَ ذَلِكَ ؟ وَمَا يُنْكِرُ أَنَّ حَقِيقَةَ الظُّلْمِ هُوَ تَعَدِّي الْحَدِّ وَالرَّسْمِ الَّذِي يَرْسِمُهُ الآمِرُ الَّذِي لا آمِرَ فَوْقَهُ ، وَأَنْ لا يَكُونَ لِلظُّلْمِ مِنْهُ مَعْنًى إِذْ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا تَقَعُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّعَدِّي ، وَالتَّحَكُّمِ فِيمَا لا يَمْلِكُ فَلا يَسْتَحِقُّ اسْمَ الظَّالِمِ ، وَلَوْ سَاغَ مَا قُلْتَهُ لَمْ يَنْفَصِلْ مِمَّنْ قَالَ : إِذَا أَمْكَنَهُ مِنَ الْكُفْرِ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لا يَأْتِي إِلا بِالْكُفْرِ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُعَاقِبَهُ لأَنَّهُ يَكُونُ ظَالِمًا لَهُ حِينَئِذٍ ، وَمَا الْفَصْلُ ؟ وَكَذَلِكَ إِذَا خَلَقَ لَهُ الآلاتِ ، وَالْحَيَاةَ وَالْقُدْرَةَ ، وَالشَّهْوَةَ لِلْمَعَاصِي ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لا يَفْعَلُ بِهَا إِلا كُفْرًا بِهِ ، عَرَّضَهُ لِلْهَلاكِ ، وَالْعَطَبِ فَيَكُونُ لَهُ ظَالِمًا ، وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي إِيلامِ الأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينَ ، وَالْبَهَائِمِ ظَالِمًا ، وَلا مَعْنَى لِتَقْدِيرِ الْعِوَضِ فِيهِ ، فَإِنَّ الْعِوَضَ لا يَحْسُن بِهِ الْقَبِيحُ فِي الشَّاهِدِ إِلا بِمَرْضَاةٍ ، فَإِذَا كَانَ جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْهُ غَيْرَ مَنْسُوبٍ إِلَى الظُّلْمِ لأَنَّهُ الْمَالِكُ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَهُوَ فِيمَا يَفْعَلُهُ فِي مُلْكِهِ غَيْرُ مُتَعَدِّ ، ذَلِكَ مَا قُلْنَا لا فَصَلَ بَيْنَهُمَا . فَإِنْ قِيلَ : مَنْ خَلَقَ الْكُفْرَ كَانَ كَافِرًا وَمَنْ خَلَقَ الظُّلْمَ كَانَ ظَالِمًا ، قِيلَ لَهُ : مَا يُنْكَرُ عَلَى مَنْ يَقُولُ : مَنْ خَلَقَ النَّوْمَ كَانَ نَائِمًا ، وَمَنْ خَلَقَ الْخَوْفَ كَانَ خَائِفًا ، وَمَنْ خَلَقَ الْمَرَضَ كَانَ مَرِيضًا ، وَمَنْ خَلَقَ الْمَوْتَ كَانَ مَيِّتًا ، فَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الأَشْيَاءِ لَمْ يَلْزَمْ فِي الْكُفْرِ وَالظُّلْمِ ، فَإِنْ قِيلَ : أَفَتَقُولُونَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَشَاءُ الْكُفْرَ وَالظُّلْمَ ؟ قِيلَ لَهُ : إِنْ أَرَدْتَ بِقَوْلِكَ يَشَاءُ الْكُفْرَ نَفْيَ الْغَلَبَةِ ، وَالْعَجْزِ ، وَالإِكْرَاهِ عَلَى مَا يَشَاءُ ، فَنَعَمْ يَشَاءُ أَنْ يَكُونَ مَا يُرِيدُ ، وَجَوَابٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا ، لِمَا لَمْ يَزَلْ عَالِمًا بِأَنَّهُ يَكُونُ مَوْجُودًا فَلا يَكُونُ خِلافَ مَا عَلِمَ ، وَالْكُفْرُ مِمَّا لَمْ يَزَلْ كَانَ عَالِمًا بِهِ ، أَنَّهُ يَكُونُ مَوْجُودًا أَلا تَرَاهُ يَقُولُ : يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ سورة آل عمران آية 176 ، وَفِيهِ جَوَابٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنَّهُ شَاءَ أَنْ يَكُونَ الْكُفْرُ مِنَ الْكَافِرِ خِلافَ الإِيمَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِ أَلا تَرَى أَنَّ مُوسَى ، وَهَارُونَ سَأَلا إِضْلالَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ، وَالسَّدَّ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا سورة يونس آية 89 ، فَشَاءَ إِضْلالَهُمْ وَالسَّدَّ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا لَمَّا أَجَابَ دَعْوَتَهُمَا ، وَفِيهِ جَوَابٌ آخَرُ : يَشَاءُ أَنْ يَكُونَ الْكُفْرُ قَبِيحًا ضَلالا عَمًى خَسَارًا ، لا نُورًا وَهَدًى وَحَقًّا وَبَيَانًا ، وَإِنْ أَرَدْتَ تَقُولُ : يَشَاءُ الْكُفْرَ أَيْ يَأْمُرُ بِهِ ، فَلا تَقُولُ ذَلِكَ ، فَإِنْ قِيلَ : الْحَكِيمُ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُشْتَمَ وَيُذْكَرَ بِسُوءٍ ؟ قِيلَ الْحَكِيمُ مَنْ يَجْرِي الشَّتْمُ عَلَى لِسَانِ النَّائِمِ ، وَالْمُبَرْسِمُ وَلا فِعْلَ لَهُمَا ، الْحَكِيمُ مَنْ يَخْلُقُ عَبْدًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يَزَالُ يَشْتُمْهُ وَيَجْحُدُهُ ، ثُمَّ يُحْدِثُ لَهُ كُلَ سَاعَةٍ قُوَّةً جَدِيدَةً ، وَقِيلَ : مَنْ كَانَ الشَّتْمُ يُنْقِصُهُ فَلَيْسَ بحكيمٍ ، وَمَنْ لَمْ يُنْقِصْهُ فَحَكِيمٌ لأَنَّهُ يَشَاءُ مَا لَمْ يَكُنْ ، وَلأَنَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ شَتْمُ الشَّاتِمِ لَهُ خِلافَ مَدْحِ الْمَادِحِ لَهُ فَحَكِيمٌ ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ شَتْمُ الشَّاتِمِ لَهُ مَعْصِيَةً مِنَ الْكَافِرِ ، لا طَاعَةً فَحَكِيمٌ ، لأَنَّ مَنْ يُرِيدُ الشَّيْءَ عَلَى مَا لا يَكُونُ خِلافُهُ فَحَكِيمٌ ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الشَّتْمُ مَوْجُودًا فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ بِهِ عَالِمًا أَنَّهُ يَكُونُ فِيهِ مَوْجُودًا فَحَكِيمٌ ، لأَنَّهُ أَرَادَ الشَّيْءَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يَكُونُ فِيهِ ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ لا يَكُونَ مَغْلُوبًا مَقْهُورًا مَكْرُوهًا عَلَى كَوْنِ مَا لا يُرِيدُ فَحَكِيمٌ وَالْكَلامُ فِي هَذَا يَطُولُ ، فَإِنْ قِيلَ : مَا تَقُولُونَ فِي اسْتِطَاعَةِ الْعَبْدِ ؟ قِيلَ : نَقُولُ : هِيَ قُدْرَتُهُ وَهِيَ مَعَ فِعْلِ الْعَبْدِ ، وَهِيَ توفيقٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلطَّاعَةِ ، وَخِذْلانٌ مِنْهُ فِي الْمَعْصِيَةِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلا سورة الإسراء آية 48 ، وَقَدْ كَانُوا لِسَبِيلِ الْبَاطِلِ مُسْتَطِيعِينَ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ نَفَى عَنْهُمُ اسْتِطَاعَةَ الْحَقِّ لأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا فَاعِلِينَ لَهُ ، وَقَالَ مُخْبِرًا عَنْ صَاحِبِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا سورة الكهف آية 67 ، فَنَفَى عَنْهُ اسْتِطَاعَةَ الصَّبْرِ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُ الصَّبْرَ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ " ، فَدَلَّ أَنَّهُ فِي حَالِ كَسْبِهِ مُيَسَّرٌ ، وَتَيْسِيرُهُ قُدْرَتُهُ ، وَلأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ : إِنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ الْخَيْرَ إِلا بِاللَّهِ وَهُوَ قَبْلَ كَوْنِهِ لَيْسَ بِخَيْرٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اسْتِطَاعَتَهُمْ تَكُونُ مَعَهُ ، وَلأَنَّ الاسْتِطَاعَةَ سَبَبٌ لِلْفِعْلِ يُوجَدُ بِوُجُودِهَا ، وَيُعْدَمُ بِعَدَمِهَا فَجَرَتْ مَعَ الْكَسْبِ مَجْرَى الْعِلَّةِ مَعَ الْمَعْلُولِ ، وَلا يَصِحُّ تَقَدُّمُ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ فَلا يَصِحُّ تَقَدُّمُ الاسْتِطَاعَةِ عَلَى الْكَسْبِ .