فَقُلْتُ لَهُ : حَدَّثَنَا عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ ° ، عَنِ الْحَسَنِ ° ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ° , قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ تَزَوَّجَ ذَاتَ جَمَالٍ وَمَالٍ ، فَقَدْ أَصَابَ سِدَادًا مِنْ عَوَزٍ " . فَقَالَ : أَتُلَحِّنُونَنِي ؟ فَقُلْتُ : لَحَنَ هُشَيْمٌ ، وَكَانَ لَحَّانًا ، فَقَالَ : وَمَا حُجَّتُكَ . قَالَ : قُلْتُ قَوْلَ الْعَرْجِيِّ : أَضَاعُونِي وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسِدَادِ ثَغْرِ قَالَ : فَسَكَتَ
وأما الغلط في التَّصريفِ وأبنية الفعل , فكالحديث الَّذِي رُوِي : " أَنَّه أُتِي بأسيرٍ يُرْعَدُ ، فَقَالَ لهم : أَدفُوه " , يريد أدفِئُوه مِن الدَّفاء . ولم يَكُن من لُغَتِه الْهَمْزُ . فذهبوا به فقتلوه ، فوَداه رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولو كان يريد به معنى القَتْل لقال : دَافُوه أو دَافُّوه , بالتَّثْقيل , يقال : دَافَيْتُ الأسيرَ ، ودافَفْتُه . إذا أجهزتَ عليه . وَمِمَّا نُقِلَ من هذا الباب معدولًا به عن سَمتهِ حَدِيثُه الآخر ، حين آتَاه قومٌ من العرب كان لهم طَوْلٌ عَلَى آخرين ، فقالوا : لا نرضى إلا بأن يُقْتَلَ بالعَبْد منا الْحُرُّ منهم ، فأمرهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يتباءوا . يَرْوِيه المحدِّثُون : يَتَبَاءَوْا ، وكذلك رواه هُشَيم وغَيْرُه من الرُّواة ، والصُّواب يتباوَءُوا ، عَلَى مثال : يتَقَاولوا ، من البَوَاء ، وهو التَّساوي في القِصاص قَالَ الأَعْشَى : إمّا يُصِبْك عَدُوٌّ في مُباوأَةٍ يومًا فقد كنتَ تَستَعْلي وتَنْتَصِر فأمّا يتباءَوْا فإنما من بَأْوِ الكِبْر وَالزَّهْوِ ، وهو ضِدُّ المَعْنى الَّذِي أمرهَم به من التَّساوِي . وأمّا الإِعرابُ وما يختلفِ من معاني الحديث باختْلافه , فكَقَوْله " ذكَاةُ الجَنين ذَكاةُ أُمِّه " . الرِّواية بضَمِّ الذَّكاتَيْن عَلَى مذهب الخَبَر ، وقد حَرّفَه بعضُهم فنَصَبَ الذَّكاةَ عَلَى مذهب الأَمْر ، لينقلِبَ تأويُله , فيستحيلَ به المَعْنى عن الإباحة إلى الحَظْر . وكقوله : " احتج آدمُ ومُوسَى ، فحجَّ آدمُ مُوسَى " . الْوَجْهُ أن تَرفع آدم لأنَّ الفعل له ، وتَنصِب مُوسَى لأنَّه المحجوجُ ، فَمنْ أغفلَ مُراعاةَ الإعراب ونَصَب آدم أحال في الرِّواية ، وأنظر القَدَر . ومن تَتَبَّع هذا الباب في الحديث وَجَد منه الكثير ، وفيما أوردْتُ دليلٌ عَلَى ما أردتُ ، فواجبٌ عَلَى من دَأَبَ في طلب الحديث ، ولِهج بِتَتَبُّع طرقه أن يُعنَى أَوَّلًا بإصلاح ألفاظهِ , وإحْكام مُتونِه , لئلا يكون حَظُّه من سَعْيه عناءً لا غَناءَ معه ، وتَعبًا لا نُجحَ فيه .