4 أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصُّوفِيُّ ° بِبَغْدَادَ ، ثنا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ° ، ثنا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ° ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ° ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ° ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، قَالَ : " وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفِيلِ "
قَالَ أبو حاتم : ولد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام الفيل يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول في اليوم الذي بعث اللَّه طيرًا أبابيل على أصحاب الفيل ، وكان من شأن الفيل أن ملكًا كان باليمن غلب عليها ، وكان أصله من الحبشة يقال له : أبرهة بني كنيسة بصنعاء فسماها ( القُلَيس ) ، وزعم أنه يصرف إليها حج العرب ، وحلف أنه يسير إلى الكعبة فيهدمها ، فخرج ملك من ملوك حمير فيمن أطاعه من قومه يقال له : ذو نفر فقاتله ؛ فهزمه أبرهة وأخذه ، فلما أتى بِهِ قال له ذو نفر : أيها الملك ، لا تقتلني فإن استبقائي خير لك من قتلي ؛ فاستبقاه وأوثقه ، ثم خرج سائرًا يريد الكعبة ، حتى إذا دنا من بلاد خثعم خرج إليه النفيل بْن حبيب الخثعمي ومن اجتمع إليه من قبائل اليمن فقاتلوه ؛ فهزمهم وأخذ النفيل ، فقال النفيل : أيها الملك ، إني عالم بأرض العرب فلا تقتلني وهاتان يداي على قومي بالسمع والطاعة ، فاستبقاه وخرج معه يدله ، حتى إذا بلغ الطائف خرج معه مسعود بْن معتب في رجال من ثقيف فقال : أيها الملك ، نحن عبيد لك ليس لك عندنا خلاف ، وليس بيننا وبينك الذي تريد ، يعنون اللات ، إنما تريد البيت الذي بمكة ، نحن نبعث معك من يدلك عليه ، فبعثوا معه مولى لهم يقال له : أبو رغال ، فخرج معهم حتى إذا كان بالمغمس مات أبو رغال وهو الذي رجم قبره ، وبعث أبرهة من المغمس رجلًا يقال له : الأسود بْن مقصود على مقدمة خيله ، فجمع إليه أهل الحرم وأصاب لعبد المطلب مائتي بعير بالأراك ، ثم بعث أبرهةُ حناطةَ الحميري إلى أهل مكة فقال : سل عن شريفها ثم أبلغه أني لم آت لقتال ، إنما جئت لأهدم هذا البيت . فانطلق حناطة حتى دخل مكة ، فلقي عَبْد المطلب بْن هاشم فقال : إن الملك أرسلني إليك ليخبرك أنه لم يأت لقتال إلا أن تقاتلوه ، إنما جاء لهدم هذا البيت ثم الانصراف عنكم فقال عَبْد المطلب : ما عندنا له قتال ، فقال : سنخلي بينه وبين البيت فإن خلى اللَّه بينه وبينه فواللَّه ما لنا به قوة . قال : فانطلق معي إليه ، قال : فخرج معه حتى قدم المعسكر ، وكان ذو نفر صديقًا لعبد المطلب فأتاه فقال : يا ذا نفر ، هل عندكم من غناء فيما نزل بنا ؟ فقال : ما غناء رجل أسير لا يأمن أن يُقتَلَ بكرة وعشية ، ولكن سأبعث لك إلى أنيس سائس الفيل فآمره أن يضع لك عند الملك ما استطاع من خير ، ويعظم خطرك ومنزلتك عنده . قَالَ : فأرسل إلى أنيس فأتاه ، فقال : إن هذا سيد قريش صاحب عين مكة الذي يطعم الناس في السهل ، والوحوش في الجبال ، وقد أصاب له الملك مائتي بعير ، فإن استطعت أن تنفعه عنده فانفعه فإنه صديق لي ، فدخل أنيس على أبرهة فقال : أيها الملك هذا سيد قريش وصاحب عين مكة الذي يطعم الناس في السهل ، والوحوش في الجبال يستأذن عليك ، وأنا أحب أن تأذن له ، فقد جاءك غير ناصب لك ولا مخالف عليك فأذن له ، وكان عَبْد المطلب رجلًا عظيمًا جسيمًا وسيمًا فلما رآه أبرهة عظمه وأكرمه وكره أن يجلس معه على سريره وأن يجلس تحته ؛ فهبط إلى البساط فجلس عليه معه . فقال له عَبْد المطلب : أيها الملك ، إنك قد أصبت لي مالًا عظيمًا فاردده علي ، فقال له : لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ولقد زهدت فيك ، قال : ولم ؟ قال : جئت إلى بيت هو دينك ودين آبائك وعصمتكم ومنعتكم لأهدمه فلم تكلمني فيه وتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك ؟ قال : أنا رب هذه الإبل ، ولهذا البيت رب سيمنعه ، قال : ليمنعه مني ، قال : فأنت وذاك ، قال : فأمر بإبله فردت عليه . ثم خرج عَبْد المطلب وأخبر قريشًا الخبر ، وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب ، وأصبح أبرهة بالمغمس قد تهيأ للدخول وعبى جيشه ، وقرب فيله ، وحمل عليه ما أراد أن يحمل وهو قائم ، فلما حركه وقف وكاد أن يرزم إلى الأرض فيبرك ؛ فضربوه بالمعول في رأسه فأبى ، فأدخلوا محاجينهم تحت أقرانه ومرافقه فأبى ، فوجهوه إلى اليمن فهرول فصرفوه إلى الحرم فوقف ، ولحق الفيل بحبل من تلك الحبال ؛ فأرسل اللَّه الطير من البحر كالبلسان ، مع كل طير ثلاثة أحجار : حجران في رجليه ، وحجر في منقاره ، ويحملن أمثال الحمص والعدس من الحجارة ، فإذا غشين القوم أرسلتها عليهم ، فلم تصب تلك الحجارة أحد إلا هلك ، وليس كل القوم أصحاب فذلك قول اللَّه تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ السورة كلها . وبعث اللَّه على أبرهة داء في جسده ، ورجعوا سراعًا يتساقطون في كل بلد ، وجعل أبرهة تتساقط أنامله ، كلما سقطت أنملة اتبعها مدة من قيح ودم ، فانتهى إلى اليمن وهو مثل فرخ الطير فيمن بقي من أصحابه ثم مات ، فلما هلك استخلف ابنه يكسوم بْن أبرهة . فهذا ما كان من شأن الفيل ، وسميت هذه السنة سنة الفيل .