← أحكام القرآن للجصاص
أحكام القرآن للجصاص
#21 1 : 85 ☰ باب في نسخ القرآن بالسنة وذكر وجوه النسخ
A− A+

وَحَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّد جعفر بن مُحَمَّد الواسطي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الفضل جعفر بن مُحَمَّد بن اليمان قَالَ : قرئ على أَبِي عبيد وأنا أسمع ، قَالَ : حَدَّثَنَا عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن علي بن أَبِي طلحة ، عن ابن عباس في قوله تعالى : لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ سورة الغاشية آية 22 وقوله تعالى : وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ سورة ق آية 45 وقوله تعالى : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ سورة المائدة آية 13 وقوله تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ سورة الجاثية آية 14 . قَالَ : نسخ هذا كله قوله تعالى : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ سورة التوبة آية 5 وقوله تعالى : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ سورة التوبة آية 29 الآية , ومثله

قوله تعالى : فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا سورة النجم آية 29 وقوله تعالى : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ سورة فصلت آية 34 وقوله تعالى : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا سورة الفرقان آية 63 يعني ، والله أعلم : متاركة . فهذه الآيات كلها : أنزلت قبل لزوم فرض القتال , وذلك قبل الهجرة ; وإنما كان الغرض : الدعاء إلى الدين حينئذ بالحجاج والنظر في معجزات النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وما أظهره الله على يده , وأن مثله لا يوجد مع غير الأنبياء , ونحوه قوله تعالى : قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ سورة سبأ آية 46 وقوله تعالى : قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ سورة الزخرف آية 24 وقوله تعالى : أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى سورة طه آية 133 ، فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ سورة الأنعام آية 95 ، أَفَلا تَعْقِلُونَ سورة آل عمران آية 65 ، فَأَنَّى تُصْرَفُونَ سورة يونس آية 32 ونحوها من الآي التي فيها الأمر بالنظر في أمر النبي عليه السلام وما أظهره الله تعالى له من أعلام النبوة والدلائل الدالة على صدقه . ثم لما هاجر إلى المدينة أمره الله تعالى بالقتال بعد قطع العذر في الحجاج وتقريره عندهم حين استقرت آياته ومعجزاته عند الحاضر والبادي والداني والقاصي بالمشاهدة والأخبار المستفيضة التي لا يكذب مثلها وسنذكر فرض القتال عند مصيرنا إلى الآيات الموجبة له إن شاء الله تعالى . وقوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ سورة البقرة آية 114 روى معمر ، عن قتادة قَالَ : هو بخت نصر , خرب بيت المقدس وأعان على ذلك النصارى . وقوله تعالى : أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين قَالَ : هم النصارى ، لا يدخلونها إلا مسارقة , فإن قدر عليهم عوقبوا لهم في الدنيا خزي , قَالَ : يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون , وروى ابن أَبِي نجيح ، عن مجاهد في هذه الآية قَالَ : " هم النصارى خربوا بيت المقدس " . قال أَبُو بكر : ما روي في خبر قتادة يشبه أن يكون غلطا من راويه ; لأنه لا خلاف بين أهل العلم بأخبار الأولين : أن عهد بخت نصر كان قبل مولد المسيح عليه السلام بدهر طويل , والنصارى إنما كانوا بعد المسيح وإليه ينتمون , فكيف يكونون مع بخت نصر في تخريب بيت المقدس , والنصارى إنما استفاض دينهم في الشام والروم في أيام قسطنطين الملك وكان قبل الإسلام بمائتي سنة وكسور ؟ وإنما كانوا قبل ذلك صابئين عبدة أوثان وكان من ينتحل النصرانية منهم مغمورين مستخفين بأديانهم فيما بينهم . ومع ذلك فإن النصارى تعتقد من تعظيم بيت المقدس مثل اعتقاد اليهود ، فكيف أعانوا على تخريبه مع اعتقادهم فيه ؟ ومن الناس من يَقُول : إن الآية إنما هي في شأن المشركين حيث منعوا المسلمين من ذكر الله في المسجد الحرام , وإن سعيهم في خرابه إنما هو منعهم من عمارته بذكر الله وطاعته . قَالَ أَبُو بكر : في هذه الآية : دلالة على منع أهل الذمة دخول المساجد من وجهين ، أحدهما : قوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ سورة البقرة آية 114 والمنع يكون من وجهين ، أحدهما : بالقهر والغلبة , والآخر : الاعتقاد والديانة والحكم ; لأن من اعتقد من جهة الديانة المنع من ذكر الله في المساجد فجائز أن يقال فيه قد منع مسجدا أن يذكر فيه اسمه , فيكون المنع هاهنا معناه : الحظر , كما جائز أن يقال : منع الله الكافرين من الكفر والعصاة من المعاصي بأن حظرها عليهم وأوعدهم على فعلها ; فلما كان اللفظ منتظما للأمرين وجب استعماله على الاحتمالين . وقوله : أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ سورة البقرة آية 114 يدل على أن على المسلمين إخراجهم منها إذا دخلوها لولا ذلك ما كانوا خائفين بدخولها , والوجه الثاني : قوله وَسَعَى فِي خَرَابِهَا سورة البقرة آية 114 وذلك يكون أيضا من وجهين ، أحدهما : أن يخربها بيده , والثاني : اعتقاده وجوب تخريبها ; لأن دياناتهم تقتضي ذلك وتوجبه ، ثم عطف عليه قوله : أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين وذلك يدل على منعهم منها على ما بينا . ويدل على مثل دلالة هذه الآية قوله تعالى : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ سورة التوبة آية 17 وعمارتها تكون من وجهين ، أحدهما : بناؤها وإصلاحها , والثاني : حضورها ولزومها , كما تقول : فلان يعمر مجلس فلان ; يعني : يحضره ويلزمه . وقال النبي عليه السلام : " إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان " , وذلك لقوله عز وجل : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ سورة التوبة آية 18 فجعل حضوره المساجد عمارة لها . وأصحابنا يجيزون لهم دخول المساجد , وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى . ومما يدل على أنه عام في سائر المساجد وأنه غير مقصور على بيت المقدس خاصة أو المسجد الحرام خاصة , إطلاقه ذلك في المساجد فلا يخص شيء منه إلا بدلالة . فإن قيل : جائز أن يقال لكل موضع من المسجد مسجد كما يقال لكل موضع من المجلس مجلس , فيكون الاسم واقعا على جملته تارة وعلى كل موضع سجود فيه أخرى ؟ قيل له : لا تنازع بين أهل اللسان أنه لا يقال للمسجد الواحد : مساجد ، كما لا يقال : إنه مسجدان , وكما لا يقال للدار الواحدة : إنها دور ; فثبت أن الإطلاق لا يتناوله وإن سمي موضع السجود مسجدا , وإنما يقال ذلك مقيدا غير مطلق وحكم الإطلاق فيما يقتضيه ما وصفنا , وعلى أنك لا تمتنع من إطلاق ذلك في جميع المساجد وإنما تريد تخصيصه ببعضها دون بعض ، وذلك غير مسلم لك بغير دلالة . قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ سورة البقرة آية 115 روى أَبُو أشعث السمان ، عن عاصم بن عبيد الله ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، عن أبيه قَالَ : كنا مع رسول الله ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة , فصلى كل رجل منا على حياله , ثم أصبحنا فذكرنا ذلك للنبي عليه السلام فأنزل الله تعالى : فأينما تولوا فثم وجه الله . وروى أيوب بن عتبة ، عن قيس بن طلق ، عن أبيه : أن قوما خرجوا في سفر فصلوا فتاهوا عن القبلة , فلما فرغوا تبين لهم أنهم كانوا على غير القبلة , فذكروا ذلك لرسول الله ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : " تمت صلاتكم " . وروى ابن لهيعة ، عن بكر بن سوادة ، عن رجل سأل ابن عمر عمن يخطئ القبلة في السفر ويصلي , قَالَ : فأينما تولوا فثم وجه الله

الآيات القرآنية · Qurʾān verses cited
السند · the isnād, in order
أبو محمد جعفر بن محمد الو…←أبو الفضل جعفر بن محمد بن…←أبي عبيد←عبد الله بن صالح←معاوية بن صالح←علي بن أبي طلحة←ابن عباس
→ prev #21 / 698 next ←