730 كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمَ الْعَسْقَلانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، " فِي قَوْلِهِ : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى سورة البقرة آية 38 ، قَالَ : الْهُدَى : الأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ وَالْبَيَانُ "
فَإِنْ كَانَ مَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ ، فَالْخِطَابُ بِقَوْلِهِ : اهْبِطُوا سورة البقرة آية 36 . وَإِنْ كَانَ لآدَمَ وَزَوْجَتِهِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ آدَمُ وَزَوْجَتُهُ وَذُرِّيَتِهِمَا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ نَظِيرَ قَوْلِهِ : فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ سورة فصلت آية 11 . بِمَعْنَى أَتَيْنَا بِمَا فِينَا مِنَ الْخَلْقِ طَائِعِينَ ، وَنَظِيرَ قَوْلِهِ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ : رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِهِمْ مَنَاسِكَهُمْ . فَجَمَعَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ ذُرِّيَّةٌ ، وَهُوَ فِي قِرَاءَتِنَا : وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا سورة البقرة آية 128 . وَكَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لآخَرَ : كَأَنَّكَ قَدْ تَزَوَّجْتَ ، وَوُلِدَ لَكَ ، وَكَثُرْتُمْ وَعُزِّزْتُمْ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلامِ . وَإِنَّمَا قُلْنَا : إِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ؛ لأَنَّ آدَمَ كَانَ هُوَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ أَيَّامَ حَيَاتِهِ بَعْدَ أَنْ أُهْبِطَ إِلَى الأَرْضِ ، وَالرَّسُولَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِلَى وَلَدِهِ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا ، وَهُوَ الرَّسُولُ ، بِقَوْلِهِ : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى سورة البقرة آية 38 خِطَابًا لَهُ وَلِزَوْجَتِهِ : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي أَنْبِيَاءُ وَرُسُلٌ ، إِلا عَلَى مَا وَصَفْتُ مِنَ التَّأْوِيلِ . وَقَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ وَجْهًا مِنَ التَّأْوِيلِ تَحْتَمِلُهُ الآيَةُ ، فَأَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ مِنْهُ عِنْدِي ، وَأَشْبَهُ بِظَاهِرِ التِّلاوَةِ أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهَا : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ مَنْ أُهْبِطَ إِلَى الأَرْضِ مِنْ سَمَائِي ، وَهُوَ آدَمُ وَزَوْجَتُهُ وَإِبْلِيسُ ، كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ فِي تَأْوِيلِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا : إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي بَيَانٌ مِنْ أَمْرِي ، وَطَاعَتِي ، وَرَشَادٌ إِلَى سَبِيلِي وَدِينِي ، فَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْكُمْ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَلَفَ مِنْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَيَّ مَعْصِيَةٌ وَخِلافٌ لأَمْرِي وَطَاعَتِي ، يُعَرِّفُهُمْ بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ التَّائِبُ عَلَى مَنْ تَابَ إِلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ ، وَالرَّحِيمُ بِمَنْ أَنَابَ إِلَيْهِ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ : إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ سورة البقرة آية 37 . وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ الْخِطَابِ بِذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ لِلَّذِينَ قَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا سورة البقرة آية 38 . وَالَّذِينَ خُوطِبُوا بِهِ هُمْ مَنْ سَمَّيْنَا فِي قَوْلِ الْحُجَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، الَّذِينَ قَدْ قَدَّمْنَا الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ ، وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ خِطَابًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِمَنْ أُهْبِطَ حِينَئِذٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، فَهُوَ سُنَّةُ اللَّهِ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ ، وَتَعْرِيفٌ مِنْهُ بِذَلِكَ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ سورة البقرة آية 6 . وَفِي قَوْلِهِ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ سورة البقرة آية 8 . أَنَّ حُكْمَهُ فِيهِمْ ، إِنْ تَابُوا إِلَيْهِ وَأَنَابُوا ، وَاتَّبَعُوا مَا أَتَاهُمْ مِنَ الْبَيَانِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُمْ عِنْدَهُ فِي الآخِرَةِ ، مِمَّنْ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ، وَأَنَّهُمْ إِنْ هَلَكُوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَضَلالَتِهِمْ قَبْلَ الإِنَابَةِ وَالتَّوْبَةِ ، كَانُوا مِنْ أَهْلِ النَّارِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا . وَقَوْلُهُ : فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ سورة البقرة آية 38 . يَعْنِي : فَمَنِ تَبِعَ بَيَانِي الَّذِي أُبَيِّنُهُ عَلَى أَلْسُنِ رُسُلِي ، أَوْ مَعَ رُسُلِي .