مقدمة في أصول الفقه 5 - معاقِدُ الأُصول
0:00الحمد لله الذي علمنا الاسلام وعلمنا الحكمة والقرآن. واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والاكرام واشهد ان سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله صفوة الانام. اللهم صلي وسلم وبارك عليه. وعلى ال بيته وصحبه
0:20الائمة الاعلام ومن تبعهم باحسان واقتفى اثرهم الى يوم الدين اما بعد. فهذا هو مجلسنا الثالث الذي نتحدث به عن مقدمات ممهدات لما نحن بصدده من الشروع بعون الله تعالى الكريم في درس نتدارس فيه مباحث
0:40ومسائل وابواب وفصول علم اصول الفقه. تقدم في المجلسين السابقين شيء من التمهيد الذي يتضح به مداخل هامة واسس عامة لطالب علم الاصول. فيما يتعلق بالنشأة وبطبيعة هذا العلم وباهميته
1:00بحاجة طالب العلم جملة اليه والمتفقه خصوصا اليه. درس المجلس المنصرم كان حديثا عن وجود هذا العلم وتمثله في تعامل الصحابة رضي الله عنهم زمن الوحي والتشريع. واستعرضنا جملة من الامثلة التي كان فيها
1:20تطبيقات عملية لشيء لفهم الصحابة للنصوص رضي الله عنهم وارضاهم. وقلنا ان اجل ما في هذه الامثلة التي مرت وغيرها فكثير مبثوث في ثنايا الكتب التي جمعت حديث السنن واثار الصحابة رضي الله عنهم اجل ما في ذلك التدليل على ان
1:40فهذا العلم علم قائم وكان متواجدا حاضرا في حياة الصحابة رضي الله عنهم والوحي ينزل تشريع مستمر وفي هذا دلالة على انهم رضوان الله تعالى عليهم ما كانوا زمن الوحي عالة يتكففون
2:00الاحكام الشرعية ورسول الله صلى الله عليه وسلم حاضر وهو مغنيهم عن كل نازلة تنزل بهم وعن كل حكم يحتاجون الى تعرف وجهته لكنهم مع ذلك كانوا يتأتون لدراية الاحكام من خلال النصوص واستنباطها وفهم اوجه الدلالات فيها. ولا
2:20يبقى القوم عرب والقرآن عربي والنبي صلى الله عليه وسلم يحدثهم بلسانهم. والقوم كانوا في ابلغ درجات الفصاحة والبيان غاية باللسان العربي ومن اجل ما في تلك الشواهد ايضا ما كان فيها من حكاية لمثل هذه الافهام وعرضها بين يدي رسول الله صلى
2:40الله عليه وسلم تارة فيصوب منها ما يصوب ويقر منها ما يقر وينبه على ما ينبه عليه منها صلى الله عليه وسلم و اعلى من ذلك واجل ان يكون التطبيق شيئا من الامور العملية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم اياها كما مر في
3:00حديث ابل الاعرابي لما سأله عن امرأة له وجدت غلاما اسودا فادار له الحديث نبينا صلى الله عليه وسلم بشيء من فهم من يقيس به شيئا على شيء وقاس له حال النساء وحال الانسان عموما في التأثر بصفات الاباء والاجداد وظهور ذلك فيما بعد
3:20مما ليس في الابوين عليه صفة ظاهرة قاسه عليه الصلاة والسلام على شأن ما يراه الانسان ويعيشه من حياة البهائم الى ان اوصله عليه الصلاة والسلام الى قياس هذا على ذاك لما قال الاعرابي لعله نزعوه عرق فقال وهذا لعله نزعه عرق. كان الغرض
3:40ذلك الوقوف على حقيقة مهمة تقول ان علما كاصول الفقه بتفرع ابوابه وكثرة مسائله وعمق ما اخذه ليس علما انشأه اجيال السلف فمن بعدهم ليكون مبتور الصلة او ليطوال انه شيئا ليس لم يكن مأثورا
4:00سيعزف عنه طلبة العلم او يزهدون في تحصيله. بلى هو علم قائم يحصله الصحابة رضي الله عنهم ملكة ومع ذلك كانوا يجدون من التقريرات النبوية وشيئا من التدريبات العملية بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم
4:20ما كان ينمي فيهم هذه الملكة والشواهد التي مرت في الدرس السابق كانت دليلا على مثل هذا الاتجاه. يقال هذا للوقوف على هذه حقيقة فعلم الاصول شأنه شأن سائر العلوم الشرعية التي كانت موجودة في صدور الناس انذاك. كانوا يجدونها
4:40شيئا بالملكة وشيئا بالتعامل وشيئا بمعايشة الوحي ومعاصرة التنزيل ومصاحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحصل له من العلوم من ذلك شيء كثير يتكون بعضه الى بعض فتكون لديهم من العلم ما ليس عند غيرهم رضوان الله عليهم اجمعين
5:00القول في علم اصول الفقه هو علم متراكم ومسائل مبنية على شطرين كبيرين احدهما الادلة والثاني الدلالات. والدلالات تعني النص فهم اللفظ معرفة المراد به دلالته في لغة العرب تأثير السياق فيه. السباق واللحاق اثر اللفظ في الجملة واثر الجملة في السياق
5:20اثر الكل والادلة بعضها على بعض كل ذلك منظومة واحدة تشكل عند الفقيه او المجتهد او الناظر في الادلة قاعدة ان يصلوا من خلالها الى الحكم بالنظر الى الدليل الشرعي. هذا العلم الكبير الذي اصبح احد بوابات العلم الشرعي علم اصول الفقه
5:40علم قائم كنا نتتبع في درسنا الماضي نشأة هذا العلم وانتهينا الى انه كان موجودا في صدور الصحابة وفي عقولهم وفي افهامهم وفي تعاملهم مع النصوص ودللنا بالامثلة كيف كانوا يطبقون بعض القواعد التي اصطلح عليها الاصوليون فيما بعد ببعض المصطلحات
6:00قصيدة العموم والتخصيص وتعارض الادلة والمخرج من ذلك الاشكال. كل ذلك مر ذكره في الدرس السابق. نتابع الليلة مسيرة تتابع هذا العلم وانتقاله عبر الاجيال لنقول كيف ظهر كتبا مدونة وكيف اضحى مؤلفات
6:20الا وكيف صار علما يطلب ومناهج تتبع وقواعد تذكر ومناهج ايضا يسير عليها الناس في التأليف وفي التدريس وفي الاستنباط لما تقرر عندنا ان الصحابة رضي الله عنهم قد حصلوا من قواعد هذا العلم وجليل مداركه شيئا كثيرا
6:40كما قلت بالسليقة في بعض الاحيان وبالتعامل مع النصوص ومعايشة الوحي في بعض الاحيان وبالتعامل مع النبي صلى الله عليه وسلم وفهم كثير من الاحكام من خلال السؤال والجواب والاستنباط تكون من مجموع كل تلك الطرق تأصيل هذا العلم في صدور
7:00رضي الله عنهم واية ذلك انه ماء ماتا. رسولنا صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحي الا وكنت تخيلوا اليك ان الامة ستصبح امام مأزق كبير. ان الوحي انقطع وان التشريع انتهى فلا كتاب ولا سنة لا قرآن
7:20لا اية تنزل ولا حديث نبوي سيدلهم على بعض الاحكام. كنت تتصور انهم يقعون في مأزق كبير وان الامة توشك ان تنهار من اول يوم مات فيه رسولنا صلى الله عليه وسلم. لكن التربية النبوية التي رباهم عليها النبي صلى الله عليه وسلم. ومكن لهم
7:40من اصول الاستنباط وقواعد الفهم والنظر في الادلة اثبتت انهم مؤهلون تماما. لقيادة الامة بعد وفاة نبيهم صلى الله عليه وسلم ولابقائها على مسار الشريعة. ولاهتداءها بهدى الله المنزل. وبالتنقيب في كتاب الله
8:00وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام لاستخراج ما تحتاج اليه الامة في كل وقت وفي كل حادثة. ومرت الحوادث تباعا فاثبت الصحابة رضي الله عنهم كفاءة عالية وفهما دقيقا ونظرا ثاقبا. مثلت في نهاية الدرس المنصرم بقصة عبد
8:20ابن مسعود رضي الله عنه لما سئل عن المرأة التي عقد عليها زوجها المفوضة التي عقد عليها زوجها ومات ولم يدخل بها فاجتهد رضي الله عنه ثم افتى بما رآه بمحض اجتهاده والنظر. ولما اقول بمحض اجتهاده ليس هوى النفس. ولا الرأي المجرد لكنه الرأي الذي تربى
8:40وتشرب من قواعد الشريعة واحكامها واصولها ما جعله اهلا ان ينظر في المسألة فيحاول ان يجد لها من مطالب الشريعة ما يليق بها. فلما اجتهد رضي الله عنه ونظر في المسألة فرأى لها شبها بعدد من المسائل الواردة في كتاب الله
9:00لكنها بهذه الحيثيات وبالاعتبارات الواردة ليس لها نص يخصها. فيصدق ان تكون نازلة جديدة لا عهد له بها من قبل لانه لم يجد فيها اية ولم يسمع فيها حديثا. فمكمن العجب في قصته رضي الله عنه انه لما اجتهد بمحض آآ بخالص آآ
9:20عقله واجتهاده ونظره وقد امتلك رضي الله عنه الملكة الكافية في الفقه والاستنباط افتى رضي الله عنه بان لها مهر نسائها لا وخس ولا شطط ولها الميراث وعليها العدة. فاجتمع له رضي الله عنه من مجموع تلك المسائل التي جاءت نظائرها في نصوص
9:40ابو السنة ما يشهد بصدق فهمه حتى قام حمد ابن مالك فشهد ان النبي صلى الله عليه وسلم قضى في مروع بنت واشق بمثل ما قضى به رضي الله عنه فكان ذلك اية في العجب لفهم بشري يجتهد فيه صاحبه فيبلغ من توفيق الله تعالى له
10:00ان يصيب حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني ان يوافق الوحي. يعني ان يقول باجتهاده حكما هو حكم الله عز وجل وليس ببعيد عنه قصة سعد ابن معاذ وان لم تكن مسألة فقهية آآ ذات حكم عملي لما حكمه النبي صلى الله عليه وسلم في بني قريظة
10:20وقد اصيب رضي الله عنه ودعا ربه عز وجل الا يموت حتى يمكنه من اليهود. فلما كان منه ما كان وقد احتكموا الى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ووافقوا على ذلك حكم فيهم سعد بن معاذ فاتي به جريحا الى النبي عليه الصلاة والسلام فقال
10:40الله عنه يقضي فيهم يقول يرى او حكم فيهم بقتل مقاتلتهم رجالهم وسبي نسائهم وامتلاك اموالهم وكان هذا حكما ما ان تفوه به رضي الله عنه حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم والله لقد حكمت فيهم بحكم الله
11:00من فوق سبت الرباط. فلما تقف على مثل هذه النماذج تشهد بيقين ان هؤلاء الكرام رضي الله عنهم بلغوا من القريحة وصفاء الفهم وقل قبل ذلك صدق الايمان. وعمق الصلة بالله عز وجل ما وفقوا فيه اعظم توفيق
11:20ولا يمكن والله ابدا ان تقيس فقه الصحابة رضي الله عنهم ولا ادراكهم ولا معرفتهم بالشريعة اصولها وفروعها لا ان تقيسه اطلاقا بفهم احد جاء بعده من الامة على وجه الجملة. لان القوم مع ما هم فيه من الصفات والخصائص والملكات
11:40ورقة الطبع وحدة الفهم ودقة النظر كانوا مع ذلك كله معايشين للوحي. معاصرين للتنزيل. فكان هذا شيئا لا تستطيع ان تعبر عنه ولا ان تكتبه ولا ان تصفه. قوم تشردوا الشريعة. فادركوا مداخلها ومخارجها وعرفوا
12:00كما فكان احدهم بقدرة بحيث اذا سئل عن مسألة لا نص فيها ان يتكلم فيوافق حكما شرعيا منصوصا ما بلغه لكنه وافق فيه الحكم الشرعي المنزل. اريد ان اقول كانت هذه الشواهد تدل على ان الصحابة رضي الله عنهم بعد وفاة رسول
12:20صلى الله عليه وسلم عاشوا مرحلة جديدة لا وحي فيها ولا تشريع يردهم لكنهم امتلكوا قدرا كبيرا من فهم الشريعة ومعرفة احكامها وادراك مقاصدها ومعرفة اسرارها وغاياتها ما اهلهم بان يقودوا الامة في ذلك الزمن وفي تلك المرحلة على نحو يصيبون فيه النجاة للامة وسلوكها مسلك الهداية
12:50المطلوب هذه امثلة بعد وفاة رسول الله عليه الصلاة والسلام تشهد ان الصحابة رضي الله عنهم كانوا على ذلك القدر الكبير الذي اشرت اليه اسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد والله اعلم وصلى الله على نبينا محمد واله وصحبه اجمعين