مجالس في تدبر القرآن | (056) قوله تعالى: وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ..
0:00الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله اما بعد فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته نواصل الحديث ايها الاحبة بالكلام على ما يستخرج من الهدايات المتصلة بهذه الايات التي تتحدث عن بني اسرائيل
0:24من هذه السورة الكريمة سورة البقرة الله تبارك وتعالى يقول وقالوا لن تمسنا النار الا اياما معدودة. قل اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده. ام تقولون على الله
0:42ما لا تعلمون بلى من كسب سيئة واحاطت به خطيئته فاولئك اصحاب النار قم فيها خالدون والذين امنوا وعملوا الصالحات اولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون يقول الله تبارك وتعالى عن بني اسرائيل وقيلهم
1:06لن تمسنا النار بمعنى انه لن يدخلوا النار ولن يقاسوا حرها الا مدة يسيرة بقدر عبادتهم للعجل الا اياما معدودة قليلة العدد فامر الله تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم
1:31ان يرد عليهم بهذا الرد اعندكم عهد من الله بهذا والله لا يخلفه عهده ام تقولون على الله ما لا تعلمون بافتراء الكذب القول على الله تبارك وتعالى من غير
1:51حجة ولا برهان والواقع انه ليس لهم شيء من ذلك العهد فما بقي الا الامر الاخر فهذه الاية يؤخذ منها حسن المجادلة طريقة الجدال في القرآن فان ذلك من العلوم المعروفة
2:17التي تتصل بكتاب الله تبارك وتعالى علم الجدل والحجاج بالقرآن وقد الف العلماء في ذلك مصنفات وطريقة القرآن تتميز عن طريقة الجدليين من اهل العلوم الكلامية فانها طريقة قصيرة مختصرة
2:45موجزة تنطلق من المسلمات ولا تشتغل بتقريرها كما هي طريقة المتكلمين وانما يكون ذلك انطلاقا من هذه الامور المسلمة التي لا تحتاج الى اثبات على تنوع في الاساليب اساليب الجدل
3:09في القرآن وهنا حصر الحال امرين اتخذتم عند الله عهدا ام تقولون على الله ما لا تعلمون فالحال لا تخرج عن هاتين والواقع انهم ليس لهم عهد عند الله بهذا. فما بقي الا
3:31الثاني فهذا يكون بحصر الاوصاف ثم بعد ذلك باختبارها ما يسمى بالصبر والتقسيم العقليين يذكر الاوصاف الممكنة او المحتملة ثم بعد ذلك يبطل منها ما لا يكون صحيحا ويبقى بعد ذلك
4:02السبب والعلة التي تصلح في ذلك المقام وفي قوله تبارك وتعالى اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده فهذا امر معلوم ان الله لا يخلف الميعاد وذلك يتضمن صفتين عظيمتين
4:31العهد والوعد من الله تبارك وتعالى الذي لا يخلف فهذا لا بد ان يكون صدقا فان اخلاف المواعيد هو نوع من الكذب وقد سئل الامام احمد رحمه الله كيف نعرف الكذابين
4:49قال بمواعيدهم والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر صفات المنافق قال اذا حدث كذب واذا وعد اخلف واذا اؤتمن خان. والواقع ان هذه الثلاث جميعا ترجع الى الكذب فهذا الذي اذا وعد اخلف
5:10الواقع انه كاذب بميعاده فقال قولا ووعد وعدا ولكنه بالفعل خالفه فلم يفي بذلك فهو كاذب بهذا الاعتبار كذلك في الامانة اذا خانها فحال المنافق تدور على الكذب كما هو ظاهر. فالمقصود ان قوله تبارك وتعالى
5:37قل اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده الذي لا يخلف عهده لابد ان يكون صادقا الامر الثاني ان يكون قادرا لانه كما قال الله تبارك وتعالى في خبر يعقوب عليه الصلاة والسلام
5:56حينما اخذ العهد على بنيه ان يأتوه بولده الاخر قال لهم الا ان يحاط بكم بمعنى انه اخذ عليهم العهد على ارجاعه لكن يبقى امر يكون خارجا عن قدرة الانسان
6:21وامكاناته فيحصل الخلف بسببه فهذا بالنسبة لله تبارك وتعالى لا يكون لان الله على كل شيء قدير فاذا وعد فان وعده لا يتخلف وهؤلاء ليس لهم عهد عند الله تبارك
6:45وتعالى والا فان الله اصدق ما يقول وهو القادر على كل شيء. وانما التخلف اما لكذب واما لعجز لا يخرج عن هذين فكون الله تبارك وتعالى لا يخلف الميعاد هذا يدل على كمال صدقه
7:08وكمال قدرته ويؤخذ من هذه الاية ايضا في قوله تعالى ام تقولون على الله ما لا تعلمون؟ ام هذه هي التي تسمى المعادلة لي الهمزة همزة الاستفهام والاستفهام هنا على سبيل
7:30التقرير للعلم بوقوع احدهما او على التقرير والتقريع ام تقولون على الله؟ هو الواقع انهم يقولون على الله ما لا يعلمون وهذا يدل على غرور هؤلاء من بني اسرائيل وعلى تعلقهم بالاماني
7:58وهو احد المعاني التي فسر بها قوله تبارك وتعالى ومنهم اميون لا يعلمون الكتاب الا اماني وان هم الا يظنون قلنا في ليلة مضت بان قوله الا اماني يعني قراءة تمنى
8:18كتاب الله يعني قرأ كتاب الله والمعنى الاخر الا اماني يعني اماني يتمنونها كقولهم لن تمسنا النار الا اياما معدودة وقالوا لن يدخل الجنة الا من كان هودا او نصارى. تلك امانيهم
8:37ثم رد الله تبارك وتعالى عليهم بقوله بلى من كسب سيئة واحاطت به خطيئته فاولئك اصحاب النار هم فيها خالدون فحكم الله تبارك وتعالى بان من ارتكب الاثام حتى قادته الى الكفران
9:05ان هذا ممن استولت عليه ذنوبه من جميع جوانبه فاحاطت به خطيئته وهذا لا يكون بطبيعة الحال الا لمن وقع في الكفر الاكبر والاشراك الاعظم فان الخطيئة لا تحيط بصاحبها الا اذا كانت من هذا القبيل كما سيتضح
9:28ان شاء الله تعالى المشركون والكفار هم الذين يلازمون النار اولئك اصحاب النار وهم فيها خالدون لا يخرجون منها ابدا وهذا لا يكون لاصحاب الذنوب والكبائر والخطايا فيما دون الاشراك
9:47واذا ذكر اصحاب النار فان ذلك يعني الصحبة بمعنى الملازمة للنار اي انهم لا يخرجون منها واكد هذا المعنى بقوله هم فيها خالدون. واكد طرفي الكلام النسبة بينهما بادخال ظمير الفصل هم
10:09فاولئك اصحاب النار. هم فيها خالد ما قال فاولئك اصحاب النار خالدون فيها وانما قال هم فيها فادخال ضمير الفصل بين طرفي الكلام بتقوية النسبة نسبة هؤلاء او نسبة الخلود في النار الى هؤلاء
10:31الذين وصفوا بهذه الصفة فهذه الاحاطة كما قال الله تبارك وتعالى وذكر به ان تبسل نفس ان تبسل نفس بما كسبت تبسل بمعنى تحتبس تحتبس عما فيه نجاتها في الدنيا والاخرة
10:58فهذه المعاصي لا شك انها قيد لصاحبها كما يقول شيخ الاسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله وحبس له ومانع له عن الجولان في فضاء التوحيد وحائل بينه وبين ان يجني
11:17ثمار الاعمال الصالحة فهما محبوس هنا في الدنيا ومحبوس في الاخرة بسبب جرائمه وجرائره التي هي الكفر بالله عز وجل والاشراك والاشراك به. بلا من كسب سيئة فهنا لاحظ لم يذكر حسنة
11:40وانما قال سيئة واحاطت به خطيئته والله لا يظلم مثقال ذرة فدل على انها سيئة لا حسنة معها ومتى تكون السيئة التي لا حسنة معها هي التي سيئة الاشراك التي لو مزجت بمياه البحار لمزجتها
12:03التي لا ينفع معها عمل وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا اعمالهم كرامات اعمالهم كسراب هذه اعمال الكافرين لان الاشراك يحبط سائر الاعمال ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا
12:23يعملون هذا لا يكون الا لسيئة الكفر ولاحظوا التنكير في قوله بلى من كسب سيئة هذا التنكير يدل على التعظيم في هذا الموضع وذلك يصدق على سيئة الاشراك كفر بالله جل
12:48جلاله وكما هي عادة القرآن اذا ذكر حال اهل الشقاء ذكر حال اهل السعادة قال والذين امنوا وعملوا الصالحات اولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون. هذا كثير في القرآن فحكم الله تبارك وتعالى في مقابل ذاك
13:10بان الذين امنوا صدقوا تصديقا انقياديا واقروا بما يجب الاقرار به واذعنت قلوبهم بذلك مع العمل الصالح الذي شرعه فهؤلاء هم اصحاب الجنة اهل الخلود فيها الملازمون لها الذين يبقون فيها البقاء الابدي
13:38السرمدي وهو الخلود فيؤخذ من هذه الاية ان الايمان بمجرده لا يكفي لدخول الجنة يعني الايمان الذي هو مجرد التصديق الانقيادي في القلب بل لابد من العمل الصالح هذا كثير في القرآن الذين امنوا وعملوا
14:00الصالحات فلا بد من قدر من العمل الصالح مع الايمان امنوا وعملوا الصالحات فدعوى الايمان وحدها لا تكفي والايمان مركب من قول وعمل قول اللسان بالنطق بالشهادتين وقول القلب بالتصديق الانقيادي والاقرار
14:23وعمل القلب كالخوف والرجاء والتوكل والمحبة والانابة والتوبة وما الى ذلك وعمل اللسان بالذكر وقراءة القرآن ونحو ذلك. وعمل الجوارح بالوان الطاعات فهو قدر مركب الايمان بضع وستون. وفي الرواية الاخرى وسبعون شعبة. اعلاها شهادة ان لا اله الا الله وادناها اماطة الاذى
14:51لأ عن الطريق فالصلاة ايمان والحج ايمان والحياء شعبة من الايمان فالايمان يمثل شجرة لا شك ان هذه الشجرة لها فروع واغصان ولها اصل ثابت فهي مركبة من ذلك كله
15:17ولذلك كان اعتقاد اهل السنة والجماعة بان الايمان قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالاركان ولذلك دلت الدلائل الكثيرة المتنوعة على ان تارك الصلاة يكفر بتركه لها على خلاف بين اهل العلم في مقدار هذا الترك هل المقصود به الترك المطلق
15:42او انه لو ترك فرضا حتى خرج وقته او يكون بما هو اكثر من ذلك فالمقصود انه لا بد من قدر من العمل. لا يكفي مجرد التصديق ولا يكفي مجرد النطق باللسان بل لا بد من
16:02تصديق الجوارح لابد من قدر من العمل ولذلك ذكر الاعمال الصالحة مع الايمان. والايمان اذا ذكر وحده فالمقصود به التصديق الانقيادي والاقرار والاذعان القلب ويكون العمل الصالح ما زاد على ذلك
16:24كذلك اذا ذكر الايمان مع الاسلام فيكون الاسلام اذعان واقرار وتصديق الباطن والاسلام هو اسلام الظاهر بالانقياد والطاعة فاذا ذكر الايمان وحده فانه يشمل التصديق الباطن تسليم الظاهر كذلك اذا ذكر الاسلام وحده
16:51بانه يشمل هذا وهذا واذا ذكر الايمان وحده فانه يشمل الامرين كذلك وقوله تبارك وتعالى فاولئك اصحاب النار لاحظ بلى من كسب سيئة واحاطت به خطيئته فاولئك اصحاب النار هم فيها خالدون. والذين امنوا وعملوا الصالحات
17:15اولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون. في اصحاب النار قال فاولئك فدخلت الفاء على اولئك فهذه قد تكون دالة على العلية او السببية ما الذي اوجب لهم دخول النار كسب سيئة واحاطت به خطيئته. فاولئك
17:39فالحكم الذي يرتب بالفاء يدل هذا على ان ذلك من قبيل العلة لم بعده فاولئك اصحاب النار. ما الذي اوجب لهم دخول النار هو الكفر كسب سيئة واحاطت به خطيئته. وهذا الذي يسميه الاصوليون بدلالة الايماء
18:06والتنبيه ان يقرن الحكم بوصف لو لم يكن علة له لكان ذلك معيبا عند العقلاء تقول بانه سهى فسجد ما علة السجود السهو لو قال قائل لا هو سجد شكرا لله
18:25اذا لماذا تقول سها وترتب على هذا بالفاء سهى فاء سجد هذا يعتبر من التلاعب بالكلام فان ترتيب هذا على هذا يدل على انه علة له تقول سقط فكسر ثم تقول
18:41ان الكسر لم يكن بسبب السقوط وانما كان بسبب هشاشة في عظامه كسر بسببها ولم يكن بسبب السقوط. اذا لماذا تقول سقط فكسر وقل مثل ذلك تقول مثلا بانه اكل
18:59فبشم ثم تقول لا انما اصابه الباشا بسبب علة في جوفه ولم يكن بسبب الاكل. اذا لماذا تقول اكل فهذا كله يقال له دلالة الايماء و التنبيه اما دخول الجنة
19:18فلم يذكر ذلك بالفاء ويمكن ان يقال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لن يدخل احدكم الجنة بعمله قالوا ولا انت يا رسول الله؟ قال ولا انا الا ان يتغمدني الله برحمته
19:32فلاحظ جاءت الفاء الدالة على السببية في دخول النار فاولئك اصحاب بلى من كسب سيئة وحظت به خطيئته. فاولئك اصحاب النار والذين امنوا وعملوا الصالحات اولئك اصحاب الجنة فهم يدخلون الجنة برحمة الله
19:54وفضله ولا يستقل العمل بدخول الجنة والله اعلم هذا ما يتعلق بهذه الايات واسأل الله تبارك وتعالى ان ينفعنا واياكم بما سمعنا وان يجعلنا واياكم هداة مهتدين الله اعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه