عبر من التاريخ (11) تقلب الدنيا بأهلها (2)
0:01الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله اما بعد فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته ما زال الحديث ايها الاحبة متصلا بهذه العبر من التاريخ والتاريخ مليء بالعبر لمن اعتبر وما زال الحديث ايها الاحبة متصلا
0:24الكلام على تقلب هذه الدنيا باهلها وان العاقل لا يغتر بما يكون تحت يده من المال او ما يكون عليه من الجاح او ما يكون له من عافية في بدنه
0:46او ما يكون له من شباب وقوة ونشاط او ما يكون له من غير ذلك من الامور التي يفرح بها الاغرار ويظنون ان ذلك نهاية في المطاف واعظم عبرة ايها الاحبة
1:07هو كلام الله تبارك وتعالى فقد قص الله علينا اخبار الامم وما الت اليه احوالهم منذ عهد نوح صلى الله عليه وسلم وهكذا الامم من بعده وضرب لنا الامثال وساق العبر
1:30من اجل ان يتذكر اولو الالباب وضرب الله لنا مثلا بسبأ وما كانوا عليه من النعم الدارة ثم بعد ذلك كيف الت حالهم وكيف كان مصيرهم وكيف تحولت نعمة الله وعافيته عنهم
1:54فالعاقل يخاف فاذا كان بيده شيء من هذا المتاع فانه يزداد شكرا لله تبارك وتعالى واذا كان الناس في نعمة وعافية من الله تبارك وتعالى فانهم يخافون الغيرة. فيراعون هذه النعم
2:16ويحفظونها من اجل ان تبقى فلا ترحل والامة تعيش في اوضاع لا تخفى على احد منا فما احوجنا الى اللجاء الى الله ومراقبته وحفظ حدوده وشكري نعمه وان نتقي الله تبارك وتعالى
2:41وان نعتصم بحبله وندع التفرق والاختلاف كل ذلك مما يجب على الامة ان تسعى اليه جاهدة. وهذا زمان ايها الاحبة لا يصلح ان يتكلم فيه الا العقلاء فكفى شغبا وكفى تراشقا وكفى عبثا وكفى ايضا اغترارا بالنعم
3:08ان مظاهر البطر التي قد نشاهدها ونراها لدى بعض من لا يمثلون الامة هذه مؤذنة بخطر اذا لم يؤخذ على يد هؤلاء السفهاء نحن ايها الاحبة كاننا في سفينة تتلاطمها
3:29الامواج فنحتاج الى مزيد من العقل ترشيد ونحتاج الى صلة بالله تبارك وتعالى قوية تجد في كتب التاريخ ايها الاحبة عبر القرون عبارات متكررة وغلت الاسعار فبيع كر الحنطة بثلاثمائة. وستة عشر دينارا
3:54والخبز بيع الرطلان بقيراطين ووقعت الفتن بين الناس تجد مثل هذه العبارات اشتد الغلاء بخراسان وعدم القوت حتى اكل الناس بعضهم بعضا وكان الانسان يصيح الخبز الخبز ويموت ثم تبعه وباء عظيم حتى عجز الناس عن دفن الموتى
4:22من العبارات المشابهة بلغ الكر من الحنطة مئتي دينار وعشرة دنانير. هذي في بلاد مختلفة وفي ازمنة مختلفة ومن الشعير مئة وعشرين دينارا ثم بلغ كر الحنطة ثلاثمئة وستة عشر دينارا
4:45واكل الضعفاء الميتة ودام الغلاء وكثر الموت وتقطعت السبل وشغل الناس بالمرض والفقر وترك دفن الموتى وشغل الناس عن الملاهي واللعب هذا كثير تجدون في اخبار بعض البلاد كبغداد في بعض القرون
5:08انه لربما عم الطاعون فاغلقت الابواب ابواب البيوت على من فيها موتى لم يتمكن الناس من دفن الاموات اغلقت الابواب على البيوت بمن فيها واصبحت الاسواق مهجورة ولا ترى في تلك الطرقات العامرة الا الواحدة بعد الواحد
5:30نسأل الله العافية تارة اوبئة وطواعين وتارة بطوفان وتارة بجوع وتارة بتسليط عدو من خارج الامة وتارة باشتغال بعضها ببعض عبارات تجدها مسطورة في كتب التاريخ تتكرر. وعندي من هذا شيء كثير
5:55ولكني لا اقضي الوقت به فانتم تشاهدون مشاهدات بصور حية باحوال تشبه هذا فهذا ايها الاحبة قد وقع ويقع ويتجدد وهو موجود الى يومنا هذا فمتى نعقل ومتى نفيق بنو امية خلق كثير وحصل لهم
6:22من اسباب القوة والمنعة والمال ما لا يخفى فجاء بنو العباس فوقع على ايديهم ظلم عظيم لبني امية دخل سديف وهو مولى للسفاح على السفاح وعنده سليمان ابن هشام ابن عبدالملك
6:44فقال سديف وهو شاعر العباسيين لا يغرنك ما ترى من الرجال ان تحت الضلوع داء دويا فضع السيف وارفع الصوت حتى لا ترى فوق ظهرها امويا فقال سليمان قتلتني يا شيخ
7:01فدخل السفاح واخذ سليمان فقتل ودخل الشبل ابن عبد الله مولى بني هاشم على عبدالله بن علي عم السفاح. وعنده من بني امية نحو تسعين رجلا على الطعام فاقبل عليه الشبل يحرظ كسديف كما فعل سديف. فقال اصبح الملك ثابت الاساس بالبهاليل من بني العباس
7:25الى ان قال لا تقيلن عبد شمس عثارا واقطعا كل رقلة وغراس الى اخر ما قال فماذا صنع عبدالله بن علي امر بهم فضربوا بالعمج حتى قتلوا وبسط عليهم الامطار
7:46مثل الجلود كالسفرة التي يوضع عليها الطعام فاكل الطعام عليها تحتها جثث بني امية وهو يسمع انين بعضهم حتى ماتوا جميعا. وامر عبدالله ابن علي نسأل الله العافية بنبش قبور بني امية بدمشق
8:08فنبش قبر معاوية ابن ابي سفيان رضي الله تعالى عنه فلم يجدوا فيه الا خيطا كالهباء لم يجدوا شيئا حفظه الله عز وجل بذلك لم يجدوا جثته رضي الله تعالى عنه
8:23وارضاه معلوم ان الذي يحفظ انما هو اجساد الانبياء عليهم الصلاة والسلام وقد يحفظ الله بعض اهل الايمان من غيرهم ولكن يكون ذلك على سبيل الكرامة والا فهو خلاف الاصل
8:39ونبش قبر يزيد بن معاوية بن ابي سفيان فوجدوا فيه حطاما كأنه الرماد. ونبش قبر عبد الملك ابن مروان فوجدوا جمجمته وكان لا يوجد في القبر الا العضو بعد العضو غير هشام بن عبدالملك فانه وجد صحيحا لم يبلى منه الا ارنبة
8:58انفه اعوذ بالله فضربه بالسياط وصلبه وحرقه وذراه في الريح انظروا ميت وخليفة ذراه في الريح وتتبع بني امية من اولاد الخلفاء وغيرهم فاخذهم. ولم يفلت منهم الا رضيع او من هرب الى الاندلس فقتلهم بنهر ابي فطرس
9:23قتل جماعة سماهم المؤرخون من مشاهير بني امية واستصفى كل شيء لهم من مال وغير ذلك وايضا قتل سليمان ابن علي ابن عبدالله ابن عباس في البصرة ايضا جماعة من بني امية عليهم الثياب الموشية المرتفعة يعني ثياب
9:44وامر بهم فجروا بارجلهم فالقوا على الطريق فاكلتهم الكلاب فلما رأى بنو امية ذلك اشتد خوفهم وتشتت شملهم واختفى من استطاع منهم الاختفاء. كان ممن اختفى عمرو بن معاوية ابن
10:00ابن سفيان ابن عتبة ابن ابي سفيان يقول كنت لا اتي مكانا الا عرفت فيه كان مشهورا يقول فضاقت علي الارض فقدمت على سليمان بن علي وهو لا يعرفني فقلت لفظتني البلاد اليك. ذهب الى
10:17من يطلبه الى عدوه ودلني فضلك عليك فاما قتلتني فاسترحت واما رددتني سالما فامنت. انظروا اقول ايها الاحبة هكذا هذه الدار ولكن الاخرة هي دار الجزاء ويجد الانسان فيها عمله وافرا
10:39فاذا كان تحت يدك زوجة او ولد او عامل او غير ذلك فاياك ان تظلمه اياك واذا كان تحت يدك نعمة فرعها واحفظها مظاهر الاشهر ايها الاحبة والبطر لا مكان لها الان
10:56ولا قبل الان لكن نحن الان في حال يجب ان تتظافر الجهود على حفظ نعمة الله عز وجل علينا والاخذ على يد السفهاء ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيرا او ليصمت
11:14تحدثنا في الاسبوع الماضي ايها الاحبة عن شغب والدة الخليفة العباسي المقتدر وقلنا بان ابنها لما قتل كانت مريضة فازدادت مرضا ابنها قتل في سنة عشرين وثلاثمائة ما الذي حل
11:35به اجتمعت العساكر على رجل معروف يقال له مؤنس في الموصل فقالوا اذهب بنا الى الخليفة فان انصفنا واجرى ارزاقنا والا قتلناه فانحدر مؤنس من الموصل الى بغداد فصار هؤلاء الجند يشربون
11:54ويطالبون بارزاقهم فصار يفرق عليهم الاموال. ولكن ذلك لم يكفي وكان العدد كثيرا فاراد ان ينحدر الى واسط ويكاتب العساكر في البصرة والاهواز وفارس وكرمان ويترك بغداد لمؤنس الى ان يجتمع عليه
12:17جنده ويعود الى قتاله فرده ناصح وهو في الواقع غير ناصح يقال له ابن ياقوت وزين له اللقاء وقوى نفسه بان القوم متى رأوه عادوا باجمعهم اليه فقبل وهو كاره ثم اشار عليه بحضور الحرب
12:38فخرج وهو كاره وبين يديه الفقهاء والقراء ومعهم المصاحف مشهورة وعليه البردة والناس حوله فوقف على تل عال بعيد عن المعركة فارسل قواد اصحابه يسألونه التقدم مرة بعد اخرى وهو واقف. يريد ان يكون في مكان بعيد
12:58غير مطمئن لهذا اللقاء. فلما الحوا عليه تقدم من موضعه فانهزم اصحابه قبل وصوله اليهم وكان قد امر ان ينادى من جاء باسير فله عشرة دنانير ومن جاء برأس فله خمسة دنانير
13:13فلما انهزم اصحابه لقيه رجل من اصحاب مؤنس يقال له علي ابن بليق. فلما رآه نزل من دابته من فرس وقبل الارض بين يدي المقتدر كانوا يفعلون هذا وهو فعل غير صحيح. كانوا يفعلونه بين يدي الخلفاء
13:34فقال له الى اين تمضي؟ ارجع فلعن الله من اشار عليك بالحضور فاراد الرجوع فلقيه قوم من المغاربة والبربر هؤلاء اللي كانوا يشربون فتركه علي معهم وسار عنه رفعوا السلاح في وجهه
13:50فقال ويحكم انا الخليفة فقالوا قد عرفناك يا سفلة انت خليفة ابليس تبذل في كل رأس خمسة دنانير وفي كل اسير عشرة دنانير فضربه احدهم بالسيف على عاتقه هنا فسقط الى الارض وذبحه بعضهم
14:07ثقيلة على كل حال في وصفه كان ثقيل البدن عظيم الجثة فلما قتلوه رفعوا رأسه على خشبة قطعوا رأسه. الخليفة ورفعوه على خشبة وهم يكبرون ويلعنونه واخذوا جميع ما عليه من الثياب
14:27الخليفة حتى سراويله وتركوه مكشوف العورة الى ان مر به رجل من الاكرة رجل يؤجر الدواب فستره بحشيش ثم حفر له موضعه ودفن وعفي قبره. لاحظ هذا الخليفة جاء رجل حن عليه حمال
14:47فستره بحشيش ما وجدوا كفنا عاري نسأل الله العافية اعوذ بالله من الفتن اجترأ الناس بعد ذلك على الخلفاء وعلى نوابهم في الاطراف وطمعوا فيهم وانخرقت الهيبة وضعف امر الخلافة فتح الباب
15:09لهؤلاء الغوغاء هذا كان له مقدمات يعني من نظر في سيرة المقتدر يجد في كلام المؤرخين كثيرا من الامور من اهمال احوال الخلافة وتحكم النساء والخدم في الخليفة والتفريط في الاموال وما الى ذلك
15:32كان الرجل مبذرا فاخرج من الاموال في اشياء من الترف او نحو ذلك كما يقولون اخرج نيفا وسبعين الف الف دينار سوى ما انفقه في الوجوه المعتبرة وكانت مدة خلافته اربعا وعشرين سنة واحد عشر شهرا وستة عشر يوما وكان عمره حينما قتل ثمانيا وثلاثين
15:59سنة ونحوا من شهرين شاب فخر الدولة في حوادث سنة ثلاثمائة وسبعة وثمانين للهجرة. علي ابن ركن الدولة ابن بويه الديلمي هذا يقولون في ترجمته بانه ملك بلاد الري ونواحيها. فلما مات اخوه مؤيد الدولة كتب الصاحب ابن عباد اليه بالاسم
16:23اليه فولاه الملك بعد اخيه واستوزر ابن عباد على ما كان عليه في ايام اخيه مؤيد الدولة هذا الرجل كان لديه من الاموال ما لا يحصيه الا الله يقول من ذلك من الذهب ما يقارب ثلاثة الاف الف دينار
16:43ومن الجواهر نحو من خمسة عشر الف قطعة يقارب قيمتها ثلاث الاف دينار وغير ذلك من اواني الذهب ما زنته الف الف دينار الف الف يعني مليون ومن الفضة زنته ثلاثة الاف الف درهم
17:03ومن الثياب ثلاثة الاف حمل وخزانة السلاح الفا حمل حمل بعير يعني ومن الفرش الف وخمس مئة حمل. ومن الامتعة ما يليق كبار الملوك ومع هذا ليلة توفي لم يكن لهم وصول الى شيء من المال. ولم يحصل له كفن. ما كانوا يستطيعوا الوصول الى ما له في المكان الذي توفي فيه
17:30فما وجدوا الا ثوب رجل من المجاورين في المسجد. رجل يتعبد في المسجد فاخذوا ثوبه وكفنوه به كأنهم اشتغلوا في تنصيب الخليفة او من يخلفه حتى تم ذلك لولده رستم
17:48بعد مدة يقول المؤرخون فانتنا علي بن ركن الدولة هذا فخر الدولة ولم يتمكن احد من الوصول اليه تفسخت جثته وانتنت قل فربطوه في حبال وجروه على درج القلعة فتقطع. فلا حول ولا قوة الا بالله العظيم. انظروا هذا الرجل
18:12ما استطاعوا الوصول الى امواله فكف بثوب لرجل مجاور في المسجد هذه الاموال ايها الاحبة التي في يدك لا تغتر بها وانما علينا ان نتقي الله تبارك وتعالى وان نسعى الى مرضاته وان نشتغل بطاعته
18:33اما ان يتهافت الانسان على هذه الدنيا ويسعى جاهدا من اجل تحصيل حطامها ولربما بذل دينه في هذا السبيل هذا التهافت هذا التسارع في طلب هذا الحطام الفاني هذا لا يبقى ايها الاحبة
18:50ثم يدرك الانسان بعد ذلك انه قد ضيع وفرط وانه كان في احلام حيث اشتغل عن طاعة الله وعبادته بطلب هذه الدنيا من حلها ومن الحرام منها. ليس المقصود الانسان يترك الدنيا ولا يكتسب لا يكتسب. ويستغني عن الناس لكن لا تكون الدنيا هي اكبر الهم. ولا غاية المطلوب
19:19ويتوقى الانسان الحرام منها وان يتصف بالقناعة فلا يضيع اخرته في سبيل تحصيل دنيا فانية انظروا الى هذا المثال الاخر في حوادث سنة ستمائة وتسع وثمانين للهجرة ما وقع لنائب السلطنة المنصورية بمصر حسام الدين طرنطاي. هذا الرجل لم ينقصه شيء من الدنيا
19:46اخذه الاشرف خليل ابن منصور قلاوون فحبسه في قلعة الجبل ثم قتله وبقي ثمانية ايام لا يدرى به ثم لف في حصير والقي على مزبلة وحن عليه بعض الناس فكفن كاحاد الفقراء. يقول المؤرخون بعد النعيم الكثير والدنيا
20:08المتسعة والكلمة النافذة وقد اخذ السلطان الاشرف من حواصله ست مئة الف دينار وسبعين قنطارا من الفضة ومن الجواهر شيئا كثيرا سوى الخيل والبغال والجمال والامتعة والبسوط الجياد والاسلحة الثمينة وغير ذلك من الحواصل والاملاك بمصر والشام
20:31ترك ولدين احدهما اعمى فدخل هذا الاعمى على الملك الاشرف فوضع المنديل على وجهه وقال شيء لله يسأل يشحذ شيء لله وذكر لي الاشرف ان لهم اياما لا يجدون شيئا يأكلونه
20:53بحال من الجوع والمسغبة انظر يأتي يسأل بعد هذا كله ولده يقول شيئا لله فمن يغتر بعد هذا بهذه الدنيا التي قد يتحول عنها في اي لحظة او تتحول عنه
21:11فالراشدون من الناس ايها الاحبة هم الذين يستغلونها بطاعة الله ولا يحصل لهم البطر اذا وجد بايديهم النعمة والمال والغنى بل يسخرون ذلك الى الوصول الى مرضاة ربهم ومليكهم جل جلاله وتقدست اسماؤه
21:32ومن قصر نظره وضعف رأيه فانه يبطر كلا ان الانسان ليطغى ان رآه استغنى في التاريخ ايها الاحبة حوادث كثيرة مخيفة تجعل العاقل اذا نظر فانه يدير هذه الحوادث والوقائع في ذهنه
21:54حينما يرى الوان النعم بين يديه فنسأل الله عز وجل ان يرزقنا واياكم شكر نعمته وان يحسن عاقبتنا في الامور كلها. وان يقينا شر انفسنا وشر الشيطان وشركه وان يعيذنا واياكم من مضلات الفتن. ما ظهر منها وما بطن. وان يصلح احوالنا واحوال المسلمين. والله اعلم وصلى الله على نبينا
22:20محمد واله وصحبه