261 · ص265
فإذا قال قائل: ما وجه كون العابد داعياً؟
فالجواب: للدليل الأثري والنظري، أما الأثري فقوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)} [غافر: ٦٠] فجعل الله الدعاء عبادة، وأما كون العبادة دعاء فلأن العابد لو سئل لماذا تعبد الله؟ لقال: أرجو ثوابه وأخاف عقابه، إذاً فهو دعاء بلسان الحال لا بلسان المقال، على أن كثيراً من العبادات لا يخلو من دعاء صريح.
وقوله: {بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} (الباء) هنا بمعنى: (في)، وتأتي (الباء) بمعنى: (في) كثيراً كما في قوله تعالى: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ} [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]، يعني: (في) الليل فهل هناك من حكمة في أن تأتي (الباء) بمعنى (في)؟
الجواب: اعلم أن القرآن الكريم لا يمكن أن يَعْدل عن الشيء المتعارف لغة إلا لسبب، والسبب هنا أن الباء التي للظرفية أشربت معنى الاستيعاب؛ لأن الباء تأتي للاستيعاب كما في قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: ٦]، وكما في قوله: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: ٢٩] فـ (الباء) للاستيعاب، أي: أنهم قد استوعبوا الغداة والعشي بالدعاء، والغداة أول النهار، والعشي آخر النهار.
وقوله: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} حال من الفاعل في {يَدْعُونَ} المعنى أنهم مخلصون لله، لا يريدون بذلك رياء ولا سمعة.
قوله: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ}، يعني: أن حسابك ليس عليهم وحسابهم ليس عليك، وإذا كان كذلك فلماذا تطردهم؟ دعهم يحضرون مجالس ينتفعون
262 · ص266
بها وينفعون بها، ليس عليك من حسابهم من شيء ولا من حسابك عليهم من شيء {فَتَطْرُدَهُمْ} هذا مبني على قوله: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ}.
وقوله: {فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} في هذه العبارة تلطف في مخاطبة النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، حيث لم يقل فتكون ظالماً بل قال: {مِنَ الظَّالِمِينَ}، وهذا فيه شيء من التسلية أن هناك من هو ظالم، والظالمون كثيرون، ومعلوم أن كون الإنسان مع عَالَمٍ يشاركونه في الوصف أهون من كونه ينفرد بذلك.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: تحريم طرد المؤمنين الصالحين.
الفائدة الثانية: الثناء على أولئك القوم الذين يحضرون جلسات النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بما ذكر الله - عزّ وجل - أنهم يدعون الله بالغداة والعشي مع الإخلاص لله - عز وجل -.
الفائدة الثالثة: إثبات وجه الله - عزّ وجل - لقوله: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}، والوجه صفة حقيقية لله - عزّ وجل -، يجب علينا أن نؤمن بذلك ولكن على حد قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: ١١]، وأما من فسر ذلك بأن المراد بالوجه الثواب فقد أخطأ؛ لأن ذلك مخالف لظاهر اللفظ ومخالف لإجماع السلف، ثم إن الله - عزّ وجل - قال في القرآن الكريم: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)} [الرحمن: ٢٦، ٢٧] جعله وصفاً للوجه ولا يمكن أن يقال: إن الثواب هو الموصوف بأنه ذو الجلال والإكرام.
وتأمل هذا مع قوله تعالى: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ