35
ورأفته الشديدة بهما حتى كان منه ذلك الموقف الرائع الفريد وما أحسب إنسانًا آخر - حاشا الأنبياء - يصل بره بوالديه إلى هذا الحد.
وتوسل الثاني بعفته من الزنى بابنة عمه التي أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء بعد ما قدر عليها واستسلمت له مكرهة بسبب الجوع والحاجة، ولكنها ذكرته بالله عز وجل فتذكر قلبه وخشعت جوارحه، وتركها والمال الذي أعطاها
وتوسل الثالث بحفاظه على حق أجيره الذي ترك أجرته التي كانت فَرقًا (۱) من أرز كما ورد في رواية صحيحة للحديث وذهب، فنماها له صاحب العمل، وثمرها حتى كانت منها الشاة والبقر والإبل والرقيق فلما احتاج الأجير إلى المال ذكر أجرته الزهيدة عند صاحبه، فجاءه وطالبه بحقه، فأعطاه تلك الأموال كلها، فدهش وظنه يستهزئ به، ولكنه لما تيقن منه الجد، وعرف أنه ثمر له أجره حتى تجمعت منه تلك الأموال، استساقها فرحاً مذهولاً، ولم يترك منها شيئًا، وأيم الله إن صنيع رب العمل هذا بالغ حد الروعة في الإحسان إلى العامل ومحقق المثل الأعلى الممكن في رعايته وإكرامه، مما لا يصل إلى عشر معشاره موقف كل من يدعى نصرة العمال والكادحين، ويتاجر بدعوى حماية الفقراء والمحتاجين، وإنصافهم وإعطائهم حقوقهم. دعا هؤلاء الثلاثة ربهم سبحانه متوسلين إليه بهذه الأعمال الصالحة أي صلاح، والمواقف الكريمة أى كرم معلنين أنهم إنما فعلوها ابتغاء رضوان الله تعالى وحده، لم يريدوا بها دنيا قريبة أو مصلحة عاجلة أو
(۱) مكيال تقدر سعته بثلاثة أصع.
٣٦