20
من أرجل الناس ، وقباقيبهم ومناديل وعمائم لا يلتفتون إليها لشغلهم بالنظر إلى الجنازة، وصار النعش على الرؤوس تارة يتقدم، وتارة يتأخر، وتارة يقف حتى تمر الناس وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها، وهي شديدة الزحام، كل باب أشد زحمة من الآخر، ثم خرج الناس من أبواب البلد جميعها من شدة الزحام فيها . . . وعظم الأمر بسوق الخيل وتضاعف وكثر الناس ووضعت الجنازة هناك، وتقدم للصلاة عليه أخوه زين) ،الدين عبد الرحمن فلما قضيت الصلاة حمل إلى مقبرة الصوفية، فدفن إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله ) - رحمهما الله تعالى ـ وكان دفنه قبل العصر بيسير .
-
وقد قدر الذين حضروا جنازته بأنهم أكثر من خمسمائة ألف (نصف مليون) وقيل : لم يُسمع في جنازة بمثل هذا الجمع إلا في جنازة الإمام أحمد بن حنبل(٢) .
أما ثناء الناس عليه فإنني هنا أكتفي بأربعة من الأبيات الستة التي قالها فيـه أبو حيان ـــ صاحب تفسير البحر المحيط - رحمه الله تعالى ـ عندما التقى به، والتي قالها على البديهة، وذكر ابن رجب قولهم : إن أبا حيان لم يقل أبياتاً خيراً منها
ولا أفحل (۳) :
لما أتانا تقي الدين لاح لنا
علي محياه من سيما الالى صحبوا
خبر تسربل منه دهره جبراً
داع إلى الله فرد ماله وَزَر خير البرية نور دونه القمر بخر تقاذف من أمواجه الدرر
(۱) البداية والنهاية : ٤ / ١٣٥، ١٣٦ . وقد ذكر ابن كثير هنا نقلاً عن البرزالي أنه لم يتخلف عن جنازة شيخ الإسلام سوى ثلاثة هم ابن جملة ،والصدر والقفجاري، وذلك خوفاً على
أنفسهم من الهلاك لمعرفة الناس بمعاداتهم له ـ رحمهم الله جميعاً ـــ .
(۲) الشهادة الزكية : ص ٦٦ .
.
(۳) ذيل طبقات الحنابلة : ۳۹۲/۲ ، لعبد الرحمن بن أحمد البغدادي الحنبلي ٧٩٥هـ ، مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة ، ۱۳۷۲هـ .
۲۱