← المكتبة ▭▭ صفحتان
الوابل الصيب من الكلم الطيب - ابن القيم - ت عوض - ط الريان
شمس الدين محمد بن ابو بكر ابن قيم الجوزية كتب ابن القيم
A− A+
9
الضراء، وله عبودية عليه فيما يكره، كما له عبودية فيما يحب وأكثر الخلق يعطون العبودية فيما يحبون والشأن في إعطاء العبودية فى المكاره، ففيه تفاوت مراتب العباد، وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى فالوضوء بالماء البارد في شدة الحر عبودية ومباشرة زوجته الحسناء التي يحبها عبودية، ونفقته عليها وعلى عياله ونفسه عبودية. هذا والوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية، وتركه المعصية التي اشتدت دواعي نفسه اليها من غير خوف من الناس عبودية، ونفقته في الضراء عبودية، ولكن فرق عظيم بين العبوديتين. فمن كان عبدا لله في الحالتين قائماً بحقه في المكروه والمحبوب فذلك الذي تناوله قوله تعالى: أليس الله بکاف عبده (۱)؟ وفي القراءة الأخرى عبادة ) وهما سواء لأن المفرد مضاف فينعم عموم الجمع فالكفاية التامة مع العبودية التامة والناقصة (۲) ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه . 6 وهؤلاء هم عباده الذين ليس لعدوه عليهم سلطان ، قال تعالى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان (٣) . ولما علم عدو الله إبليس أن الله تعالى لا يسلم عباده إليه ولا يسلطه عليهم قال : فبعزتك لأغوينهم أجمعين . إلا عبادك منهم المخلصين ) (٤) . وقال تعالى : ﴿ ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين. وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك (٥) . فلم يجعل لعدوه سلطانا على عباده المؤمنين، فإنهم في حرزه وكلاءته وحفظه وتحت كنفه ، وإن اغتال عدوه أحدهم كما يغتال اللص الرجل الغافل فهذا لابد منه ، لأن العبد قد بلي بالغفلة (١) الزمر (٣٦) والاستفهام للتقرير والتوكيد ، والباء في قوله « بكاف » زائدة للتوكيد (٢) أي الكفاية الناقصة مع العبودية الناقصة .. فإذا خرج العبد عن تمام العبودية لله تعالى فإنه يخرج من دائرة اللطف والرحمة بمقدار خروجه عن العبودية ، قال تعالى « نسوا الله فأنساهم أبي ابتعدوا عن الله فنسوا حق أنفسهم وحرموها وقال سبحانه « فلما زاغوا أزاغ الله نفسه ".. أنفسهم قلوبهم » . (۳) سورة الحجر : ٤٢ (٤) سورة ص : ٨٢ . (٥) سورة سبأ : ٢٠ ۱۲