18
من الاصطكاك ما يُوجب حدوث النار ، ولا فيها من الصفاء والصقال ما يبلغ الى حد البلورة ، كيف وشعاع الشمس يقع على ظاهرها ، فلا تتولد النار البتة، فالشعاع الذي يصل الى باطنها كيف يولد النار ؟
الوجه الثاني : في أصل المسألة : أن الأطباء مجمعون على أن الشراب العتيق في غاية السخونة بالطبع ، فلو كانت تلك السخونة بسبب الأجزاء النارية ، لكانت محالاً إذ تلك الأجزاء النارية مع حقارتها كيف يُعقل بقاؤها في الأجزاء المائية الغالبة
دهراً طويلاً ، بحيث لا تنطفىء مع أنا نرى النار العظيمة تطفأ بالماء القليل . الوجه الثالث : أنه لو كان في الحيوان والنبات جزء ناري بالفعل ، لكان مغلوباً بالجزء المائي الذي فيه ، وكان الجزء الناري مقهوراً به ، وغلبة بعض الطبائع والعناصر على بعض يقتضي انقلاب طبيعة المغلوب الى طبيعة الغالب ، فكان يلزمُ بالضرورة انقلاؤب تلك الأجزاء النارية القليلة جداً الى طبيعة الماء الذي هو ضد
النار .
الوجه الرابع : أن الله سبحانه وتعالى ذكر خلق الإنسان في كتابه في مواضع متعددة ، يخبر في بعضها أنه خلقه من ماء ، وفي بعضها انه خلقه من تراب ، وفي بعضها أنه خلقه من المركب منهما وهو الطين ، وفي بعضها أنه خلقه من
صلصال
،
كالفخار ، وهو الطين الذي ضربته الشمس والريح حتى صار صلصالاً كالفخار ولم يخبر في موضع واحد أنه خلقه من نار ، بل جعل ذلك خاصية إبليس . وثبت في صحيح مسلم ) : عن النبي ل قال " خُلِقَتِ الملائكة مِنْ نُورٍ ، وخلق الجان من مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ، وخلق آدم مما وُصف لكم ) وهذا صريح في انه خلق مما وصفه الله في كتابه فقط ، ولم يصف لنا سبحانه أنه خلقه من نار ، ولا أن في مادته شيئاً من
النار
الوجه الخامس : أن غاية ما يستدلون به ما يُشاهدون من الحرارة في أبدان الحيوان ، وهي دليل على الأجزاء النارية ، وهذا لا يدل ، فإن أسباب الحرارة أعم
من النار ، فإنها تكون عن النار تارة ، وعن الحركة أخرى ، وعن انعكاس الأشعة
وعن سخونة الهواء ، وعن مجاورة النار ، وذلك بواسطة سخونة الهواء أيضاً ، وتكون عن أسباب أخر ، فلا يلزم من الحرارة النار
(1) لم يخرجه البخاري . وقد رواه الإمام أحمد والإمام مسلم في آخر صحيحه عن عائشة
،
۱۸