← المكتبة ▭▭ صفحتان
الطب النبوي - ابن القيم الجوزية - ت راجح - ط دار ومكتبة الهلال
شمس الدين ابو عبد الله محمد بن ابي بكر الزرعي الدمشقي ابن القيم الجوزية كتب ابن القيم
A− A+
17
1 ونازعهم في ذلك آخرون من العقلاء من الأطباء وغيرهم ، وقالوا : ليس في البدن جزء ناري بالفعل ، واستدلوا بوجوه : أحدها : أن ذلك الجزء الناري إما أن يُدعى أنه نزل عن الأثير ، واختلط بهذه الأجزاء المائية والأرضية ، أو يقال : إنه تولد فيها وتكون ، والأول مستبعد لوجهين ، احدهما : أن النار بالطبع صاعدة ، فلو نزلت ، لكانت بقاسر من مركزها الى هذا العالم . الثاني : ان تلك الأجزاء النارية لا بُدَّ في نزولها أن تعبر على كرة الزمهرير التي هي في غاية البرد ، ونحن نشاهد في هذا العالم أن النار العظيمة تنطفىء بالماء القليل ، فتلك الأجزاء الصغيرة عند مرورها بكرة الزمهرير التي هي في غاية البرد ، ونهاية العظم أولى بالانطفاء 6 وأما الثاني - وهو أن يقال : إنها تكونت ها هنا - فهو أبعد وأبعد ، لأن الجسم الذي صار ناراً بعد أن لم يكن كذلك ، قد كان قبل صيرورته إما أرضاً . وإما ماء ، وإما هواء لانحصار الأركان في هذه الأربعة ، وهذا الذي قد صار ناراً أولاً ، كان مختلطاً بأحد هذه الأجسام ، ومتصلاً بها ، والجسم الذي لا يكون ناراً إذا اختلط بأجسام عظيمة ليست بنار ولا واحد منها ، لا يكون مستعداً لان ينقلب ناراً لأنه في نفسه ليس بنار ، والأجسام المختلطة باردة ، فكيف يكون مستعداً لانقلابه ناراً ؟ فإن قلتم : لم لا تكون هناك اجزاء نارية تقلب هذه الأجسام ، وتجعلها ناراً بسبب مخالطتها إياها ؟ قلنا : الكلام في حصول تلك الأجزاء النارية كالكلام في الأول ، فإن قلتم : إنا نرى من رش الماء على النورة (۱) المطفأة تنفصل منها ،نار، وإذا وقع شعاع الشمس على البلورة، ظهرت النار منها ، وإذا ضربنا الحجر على الحديد ، ظهرت النـار وكل هذه النارية حدثت عند الاختلاط ، وذلك يُبطل ما قررتموه في القسم الأول أيضاً . قال المنكرون : نحن لا تُنكِرُ أن تكون المصاكة(٢) لشديدة محدثة للنار ، كما في ضرب الحجارة على الحديد ، أو تكون قوة تسخين الشمس محدثة للنار ، كما في البلورة ، لكنا نستبعد ذلك جداً في أجرام النبات والحيوان ، إذ ليس في أجرامها (۱) تطلعه الثورة على حجر الكلس ، ثم غلب هذا اللفظ على مواد تضاف إلى الكلس من زرنيخ وغيره " ۱۷