← المكتبة ▭▭ صفحتان
إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - ابن قيم الجوزية - ت الفقي - ط دار المعرفة
شمس الدين ابو عبدالله محمد بن ابي بكر بن ايوب بن سعد ابن قيم الجوزية كتب ابن القيم
A− A+
4
! T I 1 1 ! بسم الله الرحمن الرحيم الذي الحمد لله الذي ظهر لأوليائه بنعوت جلاله ، وأنار قلوبهم بمشاهدة صفات كماله ، وتعرف إليهم بما أسداه إليهم من إنعامه وإفضاله ، فعلموا أنه الواحد الأحد ، الفرد الصمد . الذي لا شريك له فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله ، بل هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به أحد من خلقه في إكثاره وإقلاله ، لا يحصى أحد ثناء عليه ، بل هو كما أثنى على نفسه على لسان من أكرمهم بإرساله ، الأول الذى ليس قبله شيء ، والآخر الذي ليس بعده شيء ، والباطن الذي ليس دونه شيء ، ولا يحجب المخلوق عنه تستره بسر باله . الحي القيوم ، الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، المنفرد بالبقاء ، وكل مخلوق منتهى إلى زواله ، السميع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات ، فلا يشغله سمع عن سمع ، ولا تغلطه المسائل ، ولا يتبرم بإلحاح الملحين في سؤاله ، البصير الذي يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء حيث كانت من سهله أو جباله . وألطف من ذلك رؤيته لتقلب قلب عبده ، ومشاهدته لاختلاف أحواله. فإن أقبل إليه تلقاه . وإنما إقبال العبد عليه من إقباله. و إن أعرض عنه لم يكله إلى عدوه ) ولم يدعه في إهماله ، بل يكون أرحم به من الوالدة بولدها الرفيقة به فى حمله ورضاعه وفصاله ، فإن تاب فهو أفرح بتوبته من الفقد الراحلته التي عليها (1) يسمع طعامه وشرابه في الأرض الدوية المهلكة إذا وجدها وقد تهيأ لموته وانقطع أوصاله (۲) وإن أصر على الإعراض ولم يتعرض لأسباب الرحمة بل أصر على العصيان في إدباره و إقباله ، (۱) في نسخة « إلى غيره » 6 (۲) عن الحرث بن شويد عن عبد الله بن مسعود رضی الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « الله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه ، فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته ، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ماشاء الله قال : أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت ، فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه . فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته » رواه البخاري ومسلم . « الدوية ، بفتح الدال المهملة وتشديد الواو والياء جميعاً : هي الفلاة القفر والمغازة .