← المكتبة ▭▭ صفحتان
إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - ابن قيم الجوزية - ت الفقي - ط دار المعرفة
شمس الدين ابو عبدالله محمد بن ابي بكر بن ايوب بن سعد ابن قيم الجوزية كتب ابن القيم
A− A+
33
: ۳۲ أفضل نعيم الآخرة وأعلاه على الإطلاق : النظر إلى وجه الله فان قيل : فقد وقع تسمية ذلك تكليفا في القرآن كقوله : ( « ٢٨٦:٢ » لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ) وقوله : ( « ٦ : ١٥٢) ( لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) . قيل: نعم ، إنما جاء ذلك في جانب النفى ، ولم يسم سبحانه أوامره و وصاياه وشرائعه تكليفا قط ، بل سماها روحاً ونوراً ، وشفاء وهدى ورحمة ، وحياة ، وعهداً ، ووصية ، ونحو ذلك الوجه الرابع : أن أفضل نعيم الآخرة وأجلّه وأعلاه على الاطلاق هو النظر إلى وجه الرب عز وجل ، وسماع خطابه ، كما في صحيح مسلم عن مهيب رضى الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم « إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد : يا أهل الجنة ، إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجز كموه ، فيقولون : ماهو ؟ ألم يبيض وجوهنا ، ويثقل موازيننا؛ و يدخلنا الجنة ، ويُجرنا من النار ؟ قال : فيكشف الحجاب ، فينظرون إليه ، فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه » وفي حديث آخر « فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ماداموا ينظرون إليه » فبين عليه الصلاة والسلام أنهم مع كمال تنعمهم (۱) بما أعطاهم ربهم في الجنة ، لم يعطهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ، وإنما كان ذلك أحب إليهم لأن ما يحصل لهم به من اللذة والنعيم والفرح والسرور. وقرة العين ، فوق ما يحصل لهم من التمتع بالأكل والشرب والحور العين ، ولا نسبة بين اللذتين والنعيمين ألبتة . ولهذا قال سبحانه وتعالى في حق الكفار : ( ( ۸۳ : ١٥ ( كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَعْجُوبُونَ ( ١٦ ) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الجحيم ) ، مجمع عليهم نوعى العذاب : عذاب النار ، وعذاب الحجاب عنه سبحانه ، كما جمع الأوليائه نوعى النعيم : نعيم التمتع بما في الجنة ، ونعيم التمتع برؤيته ، وذكر سبحانه هذه الأنواع الأربعة في هذه السورة ، فقال في حق الأبرار (۲۲) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (۲۳) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ) ، ولقد هضم معنى الآية من قال : ينظرون إلى أعدائهم يعذبون ، أو ينظرون إلى قصورهم و بساتينهم ، أو ينظر بعضهم إلى بعض ، وكل هذا عدول عن المقصود إلى غيره ، وإنما المعنى ينظرون إلى وجه ربهم ، ضد حال الكفار الذين هم عن ربهم لمحجوبون ( ( ١٦ ) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ ( وتأمل كيف قابل سبحانه ما قاله الكفار في أعدائهم في الدنيا وسخروا به منهم ، بضده في القيامة ، فإن الكفار كانوا إذا مر بهم المؤمنون يتغامزون ويضحكون منهم ) ( ٣٢ ( وَإِذَا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤلَاءِ لَضَالُّونَ ) فقال تعالى : (۱) في نسخة « نعمتهم »