← المكتبة
▭▭ صفحتان
إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - ابن قيم الجوزية - ت الفقي - ط دار المعرفة
A−
A+
23
۲۲
ما في ضرب المثلين المائى والنارى للوحى القرآني من أسرار
الاضاءة
فضرب لوحيه المثل بالماء ، لما يحصل به من الحياة ، وبالنار لما يحصل بها من والإشراق ، وأخبر سبحانه أن الأودية تسيل بقدرها ، فوادٍ كبير يسع ماء كثيراً ، و وادٍ
صغير يسع ماء قليلا . كذلك القلوب مُشبهة بالأودية ، فقلب كبير يسع علما كثيراً ، وقلب صغير إنما يسع بقدره . وشبه ما تحمله القلوب من الشبهات والشهوات ، بسبب مخالطة الوحى لها ، وإمازته لما فيها من ذلك ، بما يحتمله السيل من الزبد . وشبه بطلان تلك الشبهات باستقرار العلم النافع فيها ، بذهاب ذلك الزبد ، وإلقاء الوادى له ، وإنما يستقر فيه الماء الذي به النفع . وكذلك في المثل الذي بعده : يذهب الخبث الذي في ذلك الجوهر ، ويستقر صفوه .
وأما ضرب هذين المثلين للعباد ، فكما قال في سورة البقرة : ( ۲ : ۱۷ « مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً ، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ( ۱۸ ) هُمْ بُكْمٌ عُمَى فَهُمْ لاَ يَرْجَعُونَ ) فهذا المثل الناري . ثم قال اصم ( ۱۹ ) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ، يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ المَوْتِ ) فهذا المثل المائى
وقد ذكرنا الكلام على أسرار هذين المثلين وبعض ما تضمناه من الحكم في كتاب
(1)
المعالم وغيره والمقصود : أن صلاح القلب وسعادته وفلاحه موقوف على هذين الأصلين . قال تعالى : (٣٦) : ٦٩ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرُ وقُرْآنٌ مُبِينٌ (٧٠) لِمُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيَّا) فأخبر أن الانتفاع بالقرآن والإنذار به إنما يحصل لمن هو حى القلب ، كما قال في موضع آخر : ( « ه : : ۳۷» إِنَّ في ذلك لذكرى لَمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ ) وقال تعالى : (۸۱ : ٢٤ » يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) فأخبر سبحانه وتعالى أن حياتنا إنما هي باستجابتنا لما يدعونا إليه الله والرسول من العلم والإيمان . فعلم أن موت القلب وهلا كه بفقد ذلك . وشبه سبحانه من لا يستجيب لرسوله بأصحاب القبور . وهذا من أحسن التشبيه ، فإن أبدانهم قبور لقلوبهم . فقد ماتت قلوبهم و قبرت فى أبدانهم . فقال الله تعالى : («٣٥ : ٢٢» إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاء وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِع مَنْ فِي الْقُبُورِ ) ولقد أحسن القائل :
(1) في كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية كلام قيم عن هذين المثلين