4
وللجوع فوائد، هي:
أ - صفاء القلب، وإيقاد القريحة، وإنفاذ البصيرة. أما الشِّبَعُ فيورِثُ البلادة، ويُعمي القلب، فيَنْقُل بسببه عن الجريان في الأفكار، وعن سرعة الإدراك، بل الصبيُّ إذا أكثر الأكل بطل حفظه، وفسد ذهنه، وصار بطيء الفهم والإدراك .
ب - رقةُ القلب وصفاؤه الذي به يتهيأ لإدراك لذة المثابرة، والتأثر بالذكر، فكم من ذِكْرِ يجري على اللسان مع حضور القلب، ولكن القلب لا يلتذُ به ولا يتأثرُ، حتى كان بينه وبينه حجاباً من قسوة القلب. وقد يرق في بعض الأحوالِ فيَعْظُم تأثره بالذِّكْرِ وتلذذه بالمناجاة. وخلو المعدة هو السبب الأظهر فيه !
،
جـ ـ الانكسار والذُّلُّ، وزوالُ البَطَرِ والفرح والأشر، الذي هو مبدأ الطغيان والغفلة عن الله تعالى فلا تنكسر النفسُ ولا تَذِلُّ بشيءٍ كما تذلُّ بالجوع، فعنده تسكن لربها وتخشع له، وتقفُ على عجزها وذُلّها إذا ضعفت منتها ... وما لم يشاهدِ الإنسانُ نفسَهُ وعجزه لا يرى عزَّةَ مولاه ولا قَهْرَهُ فالبطنُ والفَرْجُ باب من أبواب النارِ وأصله الشِّبَعُ، والذل والانكسار باب من أبواب الجنة وأصله الجوع. ومَنْ أغلق باباً من أبواب النار فقد فتح باباً من أبواب الجنة بالضرورة، لأنهما متقابلان كالمشرق والمغرب، فالقرب من أحدهما بعد من الآخر.
د-
د - أن لا ينسى بلاءَ الله وعذابَهُ ولا ينسى أهل البلاء، فإن الشبعان ينسى الجائع وينسى الجوع والعبد الفطنُ لا يشاهد بلاء من غيره إلا ويتذكَّرُ بلاءَ الآخرة، فيذكرُ من عطشه عطش الخلق في عَرَصات القيامة، ومن جوعه جوع أهل النار ...