29
فشأن فحولة العلماء شأني وشأن البسط تعليم الصغار والحق أن الاختصار إذا خلا من التعقيد فإن له فوائد لا تنكر ، وخصوصاً حينما ضعفت الهمم عن حفظ المطولات واستيعابها وخلدت إلى الراحة وعدم الجد . فأي ضرر في أن يحفظ طالب العلم مختصراً في كل فن يجعله أساساً ينطلق منه إلى مطولات ذلك الفن .؟ ولو سلمنا ارتباط ظهور المختصرات بضعف الفقه فإننا نرى أن كثرة المختصرات هي نتيجة لضعف الفقه وليست سبباً فيه ، وإنما سبب ضعفه هو ضعف الهمم وفقدان ذلك الصبر والجلد النذي كان عند الأقدمين . ومن الغريب أن كثيراً من الذين عابوا الاختصار هـم أنفسهم اختصروا مثل القباب ، فإنه اختصر أحكام النظر لابن القطان ومثل ابن خلدون الذي اختصر كثيراً من كتب ابن رشد ، واختصر محصول الفخر الرازي في أصول الفقه (۳)
،
(۲)
وعلى أية حال فإن هذا الكتاب الذي ننوي إخراجه وهو كتـاب
( التهذيب) ليس من مختصرات هذه المرحلة التي بلغ فيها الاختصار ذلك المستوى الذي أثار انتقادات بعض العلماء . بل هو في مرحلة كان الاختصار فيها أكثر شمولاً وأوسع مدلولاً ، فكان غربلة وتمحيصاً للروايـات المتعددة والسماعات المختلفة ، وتأليفاً لما افترق ، وجمعاً لما تشتت ، كل ذلك بعبارة
(۱) جذوة الاقتباس : ١٥٢/١ .
(۲) الفكر السامي : ٢٤٧/٢ . (۳) المرجع السابق : ٢٥١/٢
- ۲۹ -