5
أن
وأحمد وغيرهما (۱) فذاع مذهبه وانتشر في كافة الأصقاع وأصبح التمسك بمذهبه رمزاً للتمسك بالسنة ومجانبة البدعة وأصحابها، ومحبة الإمام في زمانه دليلاً على محبة السنة. وقد كتب لهذا المذهب الانتشار والذيوع في الثغر الغربي للأمة الإسلامية فقام بدوره أحسن قيام، ولو لم يكن له من فضل ومنة على هذا الثغر وأهله إلا أن حماهم وحفظ بيضتهم من تكسر على أيد أهل التشيع والنصب والخوارج والمعتزلة لكان هذا وحده فضلاً عظيماً ومنة لا تضاهيها منة يدرك ذلك من اطلع على تلك الصراعات المذهبية المتأججة في الشرق. هذا فضلاً على ما لهذا المذهب من مميزات رجحته على غيره من المذاهب أهمها مراعاته للمصلحة، وميله إلى التيسير المنسجم مع سنة النبي الله الذي ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن حراماً .
وقد توالى أئمة المالكية على اختلاف مدارسهم وتنوع مشاربهم على خدمة هذا المذهب وصقله واستمراره حياً نابضاً مهيمناً على الحياة، ضابطاً لتطورها موجهاً لمسارها، فظهرت لهم في ذلك آثار طيبة وثمار يانعة سعدت
بها البلاد والعباد.
إلا أن هذه الآثار وتلك الثمار بدأت تذبل شيئاً فشيئاً وتتلاشى نضارتها ويناعتها خاصة في العصور المتأخرة جداً، عندما أصبح الفقه عارياً من الدليل مجرداً من الأصول بعيداً عن الاستدلال والبحث النظري، فسيطرت بذلك المؤلفات التي قصد بها تبيين ما به العمل والفتوى على الدرس الفقهي، مقابل هجر المؤلفات التي تعتني بذكر الخلاف، ومثاراته، والاتفاق ومظانه وأصول المذاهب وقواعدها وأنواع الأدلة ومراتبها، والتي تعتبر ضرورية لتحصيل الملكة الفقهية والتمرس على استثمار الأحكام اللازمين لاستمرار الاجتهاد.
وقد بلغت الانتكاسة أوجها بسيطرة شروح مختصر خليل بن إسحاق
(۱) مجموع الفتاوى ۳۲۸/۲۰.