25
المقدمة
۲۷
فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال : غفر لي بالصلاة التي صليتها على النبي صلى الله عليه وسلم في أول كتاب «الرسالة».
وقيل : الخبر موقوف على أبي هريرة ورفعه قرة بن عبد الرحمن وهو ضعيف [١/١٧]. فإن قيل : لِمَ قال اختصرت قبل أن يختصر؟ ومن قال فعلت ولم يفعل فهو كاذب. قلنا : يحتمل أنه صنف الكتاب ثم كتب هذا الفصل وصدره بهذا. والثاني: أنه قد يرد اللفظ على صيغة الماضي ويراد به المستقبل، كقوله تعالى: وَنَادَى أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ [النحل: ١] وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ﴾ [الكهف: ۹۹] ونحو ذلك، فمعنى قوله: اختصرت) أي سأختصر .
والثالث : يجوز أن به عن شروعه فيه كما يكتب الرجل في صدر كتابه كتبت، يعبر أي : افتتحت الكتاب، أو لعزمه على ذلك، ويجري ذلك مجرى العلم بوجوده، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّنٌ وَإِنَّهُم مَدُّونَ ﴾ [الزمر: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَني أَعْصِرُ خَمْرًا ﴾ [يوسف: ٣٦] ، ولكونه خبراً عند وجود ما يختصره لا خبراً في حال الكتابة.
فإن قيل: لم تمدح بالاختصار والأحسن بسط الكلام وشرحه، والاختصار مذموم؟ قيل : الاختصار محمود عادة وشرعاً، قال النبي : أوتيت جوامع الكلم واختصر العلم اختصاراً (۱) وقد أعجز الله تعالى العرب بقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوة [البقرة: ۱۷۹]، فإن أقل لفظاً وأجمع معنى من قولهم: القتل أنفى للقتل. وقال في صفة الجنة : ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ﴾ [الزخرف: ۷۱] ويجوز ذلك . وقال علي بن أبي طالب، والحسن بن علي - رضي الله عنهما ـ «خير الكلام ما قل
ودل [ب/ ١] ، ولم يطل فيمل ، ويروى هذا مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفيه نظر . وأما العادة فهي أن الكلام إذا طال مل الطالبون ،والسامعون، وإذا قل كثرت الرغبة
و تاقت إليه النفوس .
فإن قيل : لم شرط الاختصار ثم الحال في مواضع؟ قلنا : شرط اختصار كلام الشافعي، وإنما الحال كلام نفسه، ثم الحكم الأغلب، والأغلب منه مختصر، ولأن للإطالة موضعاً تحمد فيه، ولذلك لم يكن جميع كتاب الله مختصراً. وقد قال الخليل بن أحمد نختصر الكتاب ليحفظ، ونبسطه ليفهم. وأما معنى الاختصار فهو إيجاز اللفظ من غير إخلال بالمعنى واشتقاقه من الجمع، ولهذا سمى المخصرة لاجتماع المتكيء عليها والحاضر لاجتماع البدن عليها، فكأنه الكثير في القليل من اللفظ وقيل : الاختصار هو ما دل قليله على كثيره
يجمع
معنی
(1) أخرجه مسلم (٥٢٣/٧)، وأحمد (٢)
.(٢٥٠، ٣١٤
6