8
التَّشْرِيعُ ضَرُورَةٌ
لعلنا لا نعدو الحقيقة ، إذا قلنا : إنَّ الشرائع أمر ضروري للبشرية جمعاء ؛ لما جبلت عليه النفوس البشرية ؛ من التَّنافس والتسابق فى أمور كثيرة ، قد يؤدى التعارض فيها إلى كثير من الآلام والمصاعب .
إن النفس البشرية مبنية على إدراك اللذائذ ، ودفع الآلام ، وقد تتعارض اللذائذ والآلام ، فما فيه لذة قوم قد يكون فيه إيلام لغيرهم ؛ لو قام شخص ما ليحكم في استيفاء لذائذه ، وإزاحة آلامه ، لاستأثر باللذائذ الأقوياء ، وأدى ذلك إلى الاختلال وعدم التوازن بين مصالح الناس لذا وضعت الشرائع قوانين للمعاملات والجنايات ؛ لكي يتمكن الناس من استيفاء حقوقهم . وليس كل ما فيه ألم يستحق أن يُدفعَ ، ولا كل ما فيه لذة يجب أن يُجلَبَ ؛ فقد يجد الشخص فى المشقة سعادة ما ويلتذ بالراحة ؛ كالمريض تلذ له بعض المطعومات، ولكنها تسوق إليه منيته ، ويشمئز من بعض الأطعمة ، وفيها غنيمة
شفائه
يقول الحق تبارك وتعالى : ( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَر لَكُمْ ﴾ [ البقرة : ٢١٦ ] .
فالمعتبر إذن لواضع الشريعة إنما هو اللذة التي نطلق عليها اسم المنفعة أو
المصلحة، والألم الذى نطلق عليه اسم المضرة أو المفسدة وتتفاوت هذه المنافع ؛ بحسب شدتها وضعفها ، وطول بقائها وقصره ،
وبحسب
ما تنتجه من نتائج
والشريعة الإسلامية العادلة هى ميزان المنافع والمضار ، وهي التي تلاحظ ما يتفرع عنها من النتائج ؛ ثم تفرض لها من الأحكام ما يطابقها ويلائمها
۱۲