20
لما كان الإمام أحمد رائد المذهب الحنبلي وواضع أسسه الأولى، آثرنا أن نفرد
سيرته بجانبيها الذاتي والعلمي بفصل مستقل، فقد بزغ فجر المذهب الحنبلي في شخصية إمام السنة مستمداً من الكتاب والسنة ، ثم امتد ظله الوارف على الحياة العملية والسلوك التطبيقي، فجاءت القدوة التي أورثها بين يدي أصحابه كاملة، ومثل أمام أعينهم منهج جديد يضاف إلى منهج الإمام الشافعي الذي رسمه من حصيلة الاستيعاب لمسلك العراقيين ومسلك الحجازيين .
وتأتي سيرة هذا الإمام الجليل وما خلفته من مآثر في آفاق الفقه والحديث والعلم والعمل، في سياق التطور العلمي والثقافي والسياسي للمجتمع الإسلامي في بغداد .
ومن ثم اقتضى المنهج الدراسي أن نمهد للبحث بالوصف الإجمالي للحياة الاجتماعية في عاصمة الإسلام ومدينة السلام (۱) ، في عصر الإمام المبجل ،
لنكشف للقارئ المناخ التربوي والثقافي الذي فتح هذا الإمام عليه عينيه ، تأثراً مباشراً، لأن الإنسان ابن بيئته، كما يقولون .
وتأثر
به
وتنقسم سيرة الإمام أحمد، بحسب التدرج التربوي والثقافي الذي كان سائداً آنذاك، إلى : سيرة النشأة والطفولة، أو السيرة التربوية ، فطلب العلم والرحلة فيه، أو سيرة الطلب والتتلمذ ، فتكوين الأسرة والحياة المعيشية
والتعليمية بعد الزواج . ثم جاءت المحنة بأسبابها وأطوارها ونتائجها . و نختم هذه السيرة المباركة بكلمة موجزة عن وفاته، ثم نسجل في الأخير مجمل مناقب الإمام وعلمه، وهو القسم المهم من حياته بالنسبة إلى منهجنا، وسنقتصر على مختارات من تلك الأخبار الكثيفة الحافلة لنصل إلى الاطلاع على الشخصية العلمية في
،
(۱) كانت بغداد تلقب بمدينة السلام، سماها أبو جعفر المنصور بهذا الاسم، كما في معجم البلدان» (٤٥٦/١) . واختلف المؤرخون كثيراً حول اشتقاق لفظ «بغداد» ومعناه ، ولكنهم في كل تفسيراتهم لم يخرجوا عن أن الكلمة مركبة من مقطعين (باغ) وتعني الله ، أو بستان، و (داد) وتعني عطية، أو هي اسم لرجل فهي عطية الله، أو بستان داد. وأصلها فارسي، كما رأى البعض. دراسات في تاريخ الخلافة العباسية» للدكتورة أمينة البيطار، ص ٤٠٢ . ط . مكتبة دار القلم والكتاب، الرياض ، ۱۹۹۷ .
۲۳