28
۲۹
ولو كانوا في الفصاحة على مرتبة واحدة ، وكانت صوارفهم وأسبابهم متفقة -
لتوافوا إلى القبول جملة واحدة / فإن قيل : فكيف يعرف البليغ الذى وصفتموه إعجاز القرآن ؟ وما الوجه ٤١ الذي يتطرق به إليه ، والمنهاج الذى يسلكه ، حتى يقف به على جلية الأمر فيه ؟ قيل : هذا سبيله أن يفرد له فصل
فإن قيل : فلم زعمتم أن البلغاء عاجزون عن الإتيان بمثله مع قدرتهم على صنوف البلاغات، وتصرفهم فى أجناس الفصاحات ؟ وهلاً قلتم : إن من قدر على جميع هذه الوجوه البديعة بوجه (۱) من هذه الطرق الغريبة – كان على مثل نظم القرآن قادراً، وإنما يصرفه الله عنه ضرباً من الصرف ، أو يمنعه من الإتيان بمثله ضرباً من المنع ، أو تقصر دواعيه [ إليه ] دونه ، مع قدرته عليه . ليتكامل ما أراده الله من الدلالة ، ويحصل ماقصده من إيجاب الحجة ؛ لأن من قدر على نظم كلمتين بديعتين ، لم يعجز عن نظم مثلها ، وإذا قدر على ذلك قدر على ضم الثانية إلى الأولى ، ، وكذلك الثالثة ، حتى يتكامل قدر الآية والسورة ؟
فالجواب : أنه لو صح ذلك لصح لكل من أمكنه نظم ربع بيت، أو مصراع من بيت - أن ينظم القصائد ويقول الأشعار ، وصَح لكل ناطق – قد يتفق في كلامه الكلمة البديعة - نظم الخطب البليغة والرسائل العجيبة ! ومعلوم أن ذلك غير سائغ ولا ممكن . على أن ذلك لولم يكن معجزاً على ما وصفناه من جهة نظمه / الممتنع ، لكان ٤٢
(۲)
مهما حط من رتبة البلاغة فيه ، ومنع من مقدار الفصاحة في نظمه ، [كان] أبلغ في الأعجوبة (۳) ، إذا صرفوا عن الإتيان بمثله ، ومنعوا من (٤) معارضته ، وعدلت دواعيهم عنه ، فكان يستغنى عن إنزاله على النظم البديع ، وإخراجه في (٥)
المعرض الفصيح العجيب .
(۱) ص : « وتوجه »
(۲) س : « ووضع »
(۳) م : « فى العجوبة »
(٤) س : « عن »
(ه) م : «على»