26
سورة الفاتحة ( الآية : ٢)
۲۷
ثم وجه نظمه في هذا المقام، اي جعله فاتحة فاتحة القرآن هو : انه كتصور العلة الغائية (1) المقدم في الذهن؛ لان الحمد صورة اجمالية للعبادة التي هي نتيجة للخلقة، والمعرفة التي هي حكمة وغاية للكائنات. فكأن ذكره تصور للعلة الغائية .. وقد قال عز وجل وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون ) (۲)
ثم ان المشهور من معاني الحمد اظهار الصفات الكمالية.
وتحقيقه ان الله سبحانه خلق الانسان وجعله نسخة جامعة للكائنات، وفهرستة (۳) لكتاب العالم المشتمل على ثمانية عشر الف عالم، وأودع في جوهره انموذجاً من كل عالم تجلى فيه اسم من اسمائه تعالى. فاذا صرف الانسان كل ما أنعم عليه الى ماخُلق لأجله ايفاءً للشكر العرفي - الداخل تحت الحمد – وامتثالاً للشريعة التي هي جلاء لصدأ الطبيعة، يصير كل انموذج مشكاة لعالمه ومرآة له وللصفـة المتجلية فيه والاسم المتظاهر منه . فيكون الانسان بروحه وجسمه خلاصة عالمي الغيب والشهادة، ويتجلى فيه ما تجلى فيهما .
فبالحمد يصير الانسان مظهراً للصفات الكمالية الالهية. يدل على هذا قول محي الدين العربي ( ٤ ) . في بيان حديث ( كُنتُ كنزاً مخفيًّا فَخَلَقْتُ الْخَلْقَ لِيَعْرِفُونِي ) (٥)
أي : فخلقت الخلق ليكون مرآة أشاهد فيها جمالي.
(۱) اى يكون المعلوم
لأجلها.
(۲) سورة الذاريات : ٥٦ . (۳) فهرس و فهرست كلمة معربة .
( ٤ ) محي الدين بن عربي: ٥٦٠ - ٦٣٨ هـ / ١١٦٥ - ١٢٤٠ م
هو .
بن علي بن محمد ابن عربي، ابو بكر الحاتمي الطائي الأندلسي، المعروف بمحي الدين بن عربي، الملقب بالشيخ الأكبر: فيلسوف، من أئمة المتكلمين في كل علم . ولد في مرسيه ( بالاندلس) وانتقل الى اشبيلية . وقام برحلة فزار الشام وبلاد الروم والعراق والحجاز وانكر عليه اهل الديار المصرية ( شطحات» صدرت عنه ، فعمل بعضهم على إراقة دمه وحبس، فسعى في خلاصه علي بن فتح البجائي فنجا واستقر في دمشق، فتوفي فيها له نحو اربعمائة كتاب ورسالة منها ( الفتوحات المكية في التصوف وعلم النفس و ( فصوص الحكم). الاعلام ٢٨١/٦ فوات الوفيات ٢٤١/٢ میزان الاعتدال ۱۰۸/۳۰ جامع كرامات الاولياء ۱۱۸/۱ شذرات الذهب ١٩٠/٥.
(٥) لا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف، الا ان علي القارئ قال : ولكن معناه . مستفاد صحيح من قوله تعالى وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون اى ليعرفونى، كما فسره ابن عباس رضی الله عنهما ( باختصار عن كشف الخفاء ۱۳۲/۲).