16
إتحاف الإلف -
بفضل كون القرآن عربيا، أصبحت اللغة العربية بعد الإسلام، لغـة الدين والدولة والعلم، وما يتفرع عن هذه الأصول الثلاثة، من فروع جمة؛
كالأدب والتجارة والفن.
وقد
رجح الإمام الشافعي في «الأم» (۱) وجوب تعميم اللغة العربية، ووجوب تعلمها على كل مسلم؛ ليفهم القرآن الكريم، الذي هو أصـل الدين... ولقد كان الصحابة الكرام، ومن اهتدى بهديهم من الفاتحين، يلقنون الناس الدين على وجه يبعثهم على تعلم العربية من أنفسهم، ولذلك لم يمض على انتشار الإسلام في بلاد الروم والفرس وبلاد أفريقيا وغربي أوروبا، زمن يسير، حتى علت اللغة العربية، على لغات هذه الأمم، بل نسختها كما تنسخ آية النهار آية الليل من غير مدارس ولا معلمين ينصرفون إلى تعليم اللغة وما كان انتشار اللغة بهذه السرعة، إلا بوازع نفسي يفعل ما لا تفعل السياسة والمدارس، وما أوقف هذا السير؛ إلا ضعف الدول العربية، ووثوب الأعاجم على عروشها، وإفتاء علماء الأعاجم بجواز العبادة وقراءة القرآن وأذكار الصلاة باللغات الأعجمية ... (۲)
(۱) تقدم سياق كلام الإمام الشافعي رحمه الله - (ص١٤-١٥).
(۲) قال الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - في تعليقه على «الرسالة» (ص٤٩): «في هذا معنى سياسي وقومي جليل؛ لأن الأمة التي نزل بلسانها الكتاب الكريم، يجب عليها أن تعمل على نشر دينها، ونشر لسانها، ونشر عاداتها وآدابها بين الأمم الأخرى، وهي تدعوها إلى ما جاء به نبيها من الهدى ودين الحق؛ لتجعل من هذه الأمم الإسلامية أمة واحدة دينها واحد وقبلتها ،واحدة ولغتها ،واحدة ومقومات شخصيتها واحدة ولتكون أمة وسطا، ويكونوا شهداء على الناس. فمن أراد أن يدخل في هذه العصبة الإسلامية فعليه أن يعتقد دينها، ويتبع