32
لأحد على الفائز بالجنة حق فى شيء من أحواله ، فيكون عبدًا في ذاته من حيث التكوين ، عتيقا فى أفعاله من حيث الإنعام والتكريم . وهكذا يكون مثل ما في التشريع ، وصلاً بين حياتين يدرك المستبصر من خلالهما كل أسرار الفطرة التي لم يخرج عنها القرآن في أي موضوع فرعى من مواضيعها ، ومن هذه النافذة يمكن أن تتصل موضوعات القرآن فى وحدة متماسكة لا خلل فيها .
وجانب آخر متلاحم مع هذا الأصل الفطري الذي دار حديثنا حوله ، ودارت حوله الكثير من آيات القرآن الكريم هو : العدل باعتباره الفطرة التى بنى الله تعالى عليه هذا الكون المنظور وغير المنظور ، وردنا من خلال تلك الفطرة إلى موضوع المعبود الحق الذى تقوم على أساسه الحضارة القرآنية ، والدعوة العالمية إلى الإسلام ونجاحها اليقين من حيث تعثرت خطى الدعاة فى عصرنا الحاضر حينما أخلوا بتلك الفطرة
وأصل هذا الجانب الرئيسى : أن الله - عزت قدرته – علق بقاء الأنفس بالمال ، وعلق بقاء الجنس بازدواج الذكر والأنثى ، فأنت ترى أن أسباب البقاء والتكاثر هى شهوات الطبيعة التي فطر الله الناس عليها ، لتكون تلك الشهوات سائقة إلى أسباب البقاء ، ثم أعلن سبحانه أنه ما خلقهم للاستغراق فى تلك الشهوات، بل ليوحدوه ويعبدوه بأمره
6
على خلاف الطبع ، ولهذا نرى القرآن يدعو إلى العمران ويشرع النكاح وينعى على من يحرم الطيبات من الرزق، وفى الوقت نفسه يمقت الترف والإغراق ، ويدعو إلى إيثار الآخرة على الأولى ، ويعلق ملك الآخرة بالتوحيد والهدى ، فى مقابلة تعليق الحاضرة على الشهوات والهوى ، وهنا كان الابتلاء الذى لا ينجو الإنسان منه إلا بالعدل وإقامة الموازين الدقيقة في شئون المال والعلاقات الجنسية بين الرجال والنساء
عدل الإنسان
+
مع نفسه ، فلا ينساق إلى الترف في الجسد والعقل ، وعدل الإنسان فى علاقته بربه، فلا تطغى عليها الدنيا بشهواتها
۳۲