8
وذلك أن العبادة قد فرضت على الجميع بما فيها من فعل وترك لإبقاء الإيمان فى القلوب على درجة من القوة والفاعلية ترفع طلائع الإسلام إلى الدعوة بالقول والعمل . فالعبادة في
الحقيقة وسيلة تربية وإعداد وبناء الإنسان الحضارة القرآنية
من
نگه
،
فمن أقام عليها دون أن يدعو إلى الله وإلى سبيله فمثله كمثل أعد أرضاً للزرع ، وهيأها للإنتاج ، ثم نام على ثراها لا يفيد نفسه ولا غيره من ثمارها ، وهو انحراف عن السنن المشروع الذي علمه الرسول مع الله لأصحابه في صدر الدعوة ، ثم بدت نُذُرُ ( التقوقع ( والانزواء في عصر التابعين وفي حياة المعمرين من الصحابة أنفسهم . ومن أمثلة ذلك ما روى الشعبي : ( : « أن رجالاً خرجوا من الكوفة ، ونزلوا قريباً يتعبدون ، فبلغ ذلك الله عبد بن مسعود ، فأتاهم ، ففرحوا بمجيئه إليهم ، فقال لهم : ما حملكم على ما صنعتم ؟ فقالوا : أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد ، فقال عبد الله : لو أن الناس فعلوا مثل ما فعلتم ،
فمن كان يقاتل العدو ؟! وما أنا ببارح حتى ترجعوا )
هذا هو فقه القرآن كما علمه ابن مسعود من تعاليم الرسول الله ، ومن تجربة مماثلة حاول القيام بها عثمان بن مظعون الصحابي هو وجماعة من أصحابه فنهاهم الرسول ، وأنار لهم طريق القرآن الحق .
لن يكون الإنسان المسلم التابع للقرآن عاملا بأمر ربه به إِلَّا إِذا عبده ، ودعا إليه وإلى دينه وكتابه . هكذا أرسل الله رسوله الله وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً (۱) ، وهكذا أثنى القرآن على الدعاة وَمَن أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ ﴾ (٢) . بل إن الإمام الشاطبى لم يجعل من قاعدة فرض الكفاية في (1) سورة الأحزاب : ٤٦
(۲) سورة فصلت : ۳۳