4
أحكام القرآن
في
والعوامل، تَحْفظُ هذا الكتاب مِنَ التَّغييرِ والتَّبديل، وتَصُونه مِن العبث والتَّحريف... بينما نَرى أَنَّ ما يُسمَّى بالكتاب المُقدَّس سواء العهد القديم، المُحتوِي على كُتب اليهود أو العَهْدِ الجَدِيدِ المُحْتَوِي على أناجيل النصارى - ليس هو الذي نزل من عند الله، فالتَّوراة التي أنزلها الله على موسى قد حرِّقتْ نُسَخُها الأصلية على يد البابليين عند سبي اليهود، ولم تُعد كتابتها إلا بعد قُرون عديدة، قبل ميلاد المسيح بنحو خمسةِ قُرُونٍ، وقد كتبها عِزْرا - وقد يَكُونُ هو عُزَيرٌ - وجَمَعَ فيها بَقَايَا مِنَ التَّوراةِ، أَما سائِرُها فهو مُجَرَّدُ تأليف، وكذلك الأناجيل فهي جَمِيعاً لا تَحْوي إلا ما حَفِظَتْه ذَاكِرَةُ تَلَامِذةِ المَسِيح وتلامذتهم بعد نحو قَرْنٍ من وَفَاةِ المسيح عليه السلام ثم خُلطتْ بهِ حِكايات كثيرة وأَسَاطِيرُ ، ومِنْ ثَمَّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَبَ عند تلك الكُتُبِ جميعها يَقِين في أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ) (1) .
وهذا الحفظُ مِنْ نِعَمِ الله تعالى على هذه الأمة التي خَصَّها بهذه الخصوصيَّة العَظِيمة، ومِنْ مَظَاهر هذا الحِفْظ معرفة أحكامه ودلالاته، وقد صنف العلماء في قَدِيم الدَّهرِ وحَدِيثه في هذا النوع مؤلّفات كثيرة، ومن هؤلاء : إمامُ الأئمة، وشيخُ الإسلام، وإمامُ المَالِكِيَّة في عَصْره أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق القاضي الذي كان من كبار الائمة في عَصْرِه، وكانتْ لَه مكانةٌ رَفِيعةٌ بين عُلماءِ عَصْره، لما يتميَّز به من سِعَة عِلْمٍ، ووفرة اطَّلاع، وكثرة رواية، وما كان عليه من صلاح وتقوى، بالإضافة إلى ما تركه مِن تَصَانِيفَ كثيرة في الحديث والفقه وعلوم القرآن واللُّغة وغيرها ومن كتبه: (أحكام القرآن)، وهو من أكبر مؤلفاته قَدْراً، وأغْزَرِها علماً ، وأَشْمَلِها فائدة، ولم يسبقه إليه أحدٌ
60
(1) من كلام سيد قطب رحمه الله تعالى في ظلال القرآن ١٨٨١/٤، و٢١٢٧.