31
آية من القراءة يتلونها على نسق بتطريب وتشويق، فإذا فرغوا تلت طائفة أخرى على عددهم آية ثانية، ولا يزالون يتناوبون آيات من سور مختلفات إلى أن يتكاملوا قراءة ، وقد أتوا بآيات مشتبهات، لا يكاد المتقد الخاطر يحصلها عدداً، أو يسميها نسقاً، فإذا فرغوا أخذ هذا الإمام الغريب الشأن في إيراد خطبته عجلاً متبدراً ، وأفرغ في أصداف الأسماع من ألفاظه درراً، وانتظم أوائل الآيات المقروءات في أثناء خطبته فقراً، وأتى بها على نسق القراءة لها (۱) لا مقدماً ولا مؤخراً، ثم أكمل الخطبة على قافية آخر آية منها، فلو أن أبدع من في مجلسه تكلّف تسمية ما قرأ القراء آية آية على الترتيب لعجز عن ذلك فكيف بمن ينتظمها مرتجلاً، ويورد الخطبة الغراء بها عجلاً أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون إن هذا لهو الفضل المبين ) (۳) فحدث ولا حرج عن البحر، وهيهات وليس الخبر عنه كالخبر. ثم إنه بعد أن فرغ من خطبته أتى برقائق من الوعظ، وآيات بينات من الذكر، طارت لها القلوب اشتياقاً، وذابت بها الأنفس احتراقاً، إلى أن علا الضجيج، وتردد بشهقاته النشيج ، وأعلن التائبون بالصياح، وتساقطوا عليه تساقط الفراش على المصباح، كُلّ يلقي ناصيته بيده فيجزها، ويمسح على رأسه داعياً له ، ومنهم من يغشى عليه فيرفع في الأذرع إليه، فشاهدنا هولاً يملأ النفوس إنابة وندامة، ويذكرها هول يوم القيامة، فلو لم نركب ثبج البحر، ونعتسف مفازات القفر إلا لمشاهدة مجلس من مجالس هذا الرجل، لكانت الصفقة الرابحة والوجهة المفلحة الناجحة، والحمد لله على أن من بلقاء من تشهد الجمادات بفضله (٤) ويضيق الوجود عن مثله .
(۱) تستطيع أن ترى أمثلة لها فيما وصل إلينا من مواعظه التي سجلها في كتابه «المدهش» .
(۲) سورة الطور: ١٥
(۳) سورة النمل: ١٦ (٤) هذه مبالغة غير محمودة .
۳۱