16
ذلك حادثة جرت له أوردها فى صيد الخاطر». يقول فيها : (ولقد حضر عندي رجل شيخ ابن ثمانين سنة، فاشتريت منه دكاناً، وعقدت معـه
6
العقد، فلما افترقنا غدر بعد ايام فطلبت منه الحضور عند الحاكم، فأبى، فأحضرته، فحلف باليمين الغموس أنّه ما بعته . . . وأخذ يبرطل لمن : يحول بيني وبينه من الظلمة . فرأيتُ من العوام مَنْ قد غلبت عليه العادات فلا يلتفت معها إلى قول فقيه يقول : هذا ما قبض الثمن فكيف يصح البيع؟ وآخر يقول : كيف يجوز لك ان تأخذ دكانه بغير رضاه؟ وآخر يقول : يجب عليك أن تقيله البيع. فلما لم أقله اخذ هو وأقاربه يأخذون عرضي؟ ورأى أنه يحامي عن ملكه ثم سعى بي إلى السلطان سعاية يخرصُ فيها من الكذب ما أدهشني ويبرطل مالاً لخلق من الظلمة
فبالغوا، وسعوا إلا أنّ الله تعالى نجاني من شرهم .
ثم إني أقمتُ عليه البينة عند الحاكم . فقال بعض أرباب الدنيا : لا تحكم له. فوقف عن الحكم بعد ثبوت البينة عنده . فرأيت من هذا الحاكم ومن حاكم آخر أعلى منه من ترك انفاذ الحق حفظاً لرياستهم ما هوّن عندي
ما فعله ذلك الشيخ حفظاً لماله، لجهله وعلم هؤلاء . . )(١) ثم قال : ) .. ثم إنّ الله تعالى نصرني عليه، وتقدم إلى الحاكم بإنفاذ ما ثبت عنده ودارت السنة فمات الشيخ . . . )(١)
وفي هذه القصة ما يدل على أن ابن الجوزي كان يشتغل بشراء الدكاكين، وأنه كان صعباً في الأمور المادية، فما رضي أن يُقيل الشيخ البائع ، ولم يترك وسيلة من الوسائل التي توصله إلى ما يريد إلا وسلكها
علمه بكلام الناس عنه ولومهم إياه (٢)
(۱) «صيد الخاطر» ۲۳۱ - ۲۳۲
(۲) الحق أنني لم أسترح لمعاملة ابن الجوزي للشيخ الذي رأى نفسه مغبوناً ، وكنت أود أن يقيله من بيعه امتثالا للتوجيه النبوي الكريم.
١٦