11
وهو يذكر لنا عن انصرافه الكلي للعلم، وعزوفه عن مخالطة الناس
فيقول :
(ولقد جربت على نفسي مراراً أن أحصرها في بيت العزلة فتجتمع همتي، ويضاف إلى ذلك النظر في سير السلف، فأرى العزلة حمية، والنظر في سير القوم دواء، واستعمال الدواء مع الحمية عن التخليط نافع . فإذا فسحت لنفسي في مجالسة الناس ولقائهم تشتت القلب المجتمع ، ووقع الذهول عما كنتُ أراعيه، وانتقش في القلب ما قد رأته العين، وفي الضمير ما تسمعه الأذن، وفي النفس ما تطمع في تحصيله من الدنيا. وإذا جمهور المخالطين أرباب ،غفلة والطبع بمجالستهم يسرق من طباعهم، فإذا عدتُ أطلب القلب لم أجده ، وأروم ذلك الحضور فأفقده، فيبقى فؤادي في غمار ذلك اللقاء للناس أياماً حتى يسلو الهـوى. وما فائدة تعريض البناء للنقض فإنّ دوام العزلة كالبناء ، والنظر في سير يرفعه، فإذا وقعت المخالطة انتقض ما بني في مدة لحظة وصعب التلافي وضعف القلب)(۱) .
السلف
وقد كان عالي الهمة جداً. ذكر هذا مترجموه وذكره هو عن نفسه فقال : ما ابتلي الإنسان قطّ بأعظم من علو همته. فإنّ من علت همته يختار المعالي، وربما لا يساعد الزمان، وقد تضعف الآلة، فيبقى في عذاب. وإني أعطيت من علو الهمة طرفاً فأنا به في عذاب ولا أقول : ليته لم يكن ؛ فإنه يحلو العيش بقدر عدم العقل والعاقل لا يختار زيادة اللذة
بنقصان العقل) (۲).
(۱) «صيد الخاطر» ٣٥٣ (۲) صيد الخاطر» ۲۳۸ .
۱۱