13
ابن المديني وفتنة خلق القرآن :
عن العباس بن عبد العظيم العنبري ، قال : « دخلت على علي بن المديني يوماً ، فرأيته واجماً مغموماً ، فقلت: ما شأنك ؟ قال : رؤيا رأيتها. قال : قلت : وما هي ؟ قال : رأيت كأني أخطب على منبر داود النبي صلى الله عليه وسلم.
قال : فقلت : خيراً رأيت . انك تخطب على منبر نبي
فقال : لو رأيت كأني أخطب على منبر أيوب كان خيراً لي، لأن
أيوب بلي في بدنه ، وداود فتن في دينه ، وأخشى أن أفتن في ديني ، فكان ماكان (۱) . أي فكان ماكان من انزلاقه في فتنة خلق القرآن. في الربع الأول من القرن الثالث الهجري كانت فتنة عارمة في الأمة
6
الإسلامية تدعوا إلى اعتقاد أن القرآن مخلوق ، وكان الحكم بكل سطوته وجبروته وجلاديه في صف هذه الفتنة وعامة المسلمين والخيار من علماء المسلمين في الصف الآخر ، وامتحن العلماء في هذه الفتنة امتحاناً شديداً فعذب من عذب ، وقتل من قتل ، وثبت بعضهم ، وضعف بعضهم الآخر عن ذلك ، لأن النفوس ليست كلها على درجة واحدة من التحمل والثبات في الشدائد ، بل قد يثبت بعضها حتى النهاية ، فإما النصر وإما الشهادة، وقد يثبت بعضها، لكنه لا يستطيع البقاء على هذا الثبات، فينتهي به إلى التسليم ، على أن هذا التسليم غالباً ما يكون في الظاهر ، والباطن مطمئن بالإيمان . ومثل هذه المواقف المختلفة ، قد كانت لها أمثلة في الصدر الأول حين عذب الصحابة في الله ، فثبت بلال ، وتظاهر عمار ببعض الموافقة
6
(۱) تاریخ بغداد » ١١ : ٤٦٥ - ٤٦٦
-
- ۱۳
-