7
مقدمة
فإذا سألت كيف أكون ذاك الأول ، وأنجو من ذاك الثاني ؛ قلتُ : إن الأمر يحتاج ابتداء إلى رحمة من الله سبحانه وتعالى، فيجعلك من هؤلاء المرحومين ، وينأى بك عن هؤلاء الخاسرين .
فإن قلت : : ألا من سبيل للأسباب؟
قلت : بلى وارد ، يحتاج ابتداءً إلى همةٍ عالية ، ونية صحيحة ، فإذا رأى الله عز وجل من عبده صدق النية ، ووصل إليه من العبد عمل علي ، أخذ بيده إليه واعتنى به أشد من عناية الأب الشفيق بولده ؛ فدبر له الأمور ، وأصلح له الأحوال ، قال الله سبحانه وتعالى : ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَبَرُ
اليُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِرُهُ لِلْمُسْرَى [الليل : ٤-١٠ ] . يقول ابن القيم - عليه رحمة الله : ( المطلب الأعلى موقوف حصوله على همة عالية ونية صحيحة ، فمن فقدهما تعذر عليه الوصول إليه ، فإن الهمة إذا كانت عالية تعلقت به وحده سبحانه دون غيره ، وإن كانت النية صحيحة سلك العبد الطريق الموصلة إليه ، فالنية تُفرد له الطريق، والهمة تُفرد له المطلوب ، فإذا تَوَحَّدَ مطلوبه والطريق الموصلة إليه كان الوصول غايته .
وإذا كانت همته سافلة تعلقت بالسفليات ولم تتعلق بالمطلب الأعلى ، وإذا كانت النية غير صحيحةٍ ؛ كانت طريقه غير موصلة إليه ؛ فمدار الشأن على همة العبد ونيته وهما مطلوبه وطريقه ، ولا يتم إلا بترك ثلاثة أشياء :
الأول : العوائد والرسوم والأوضاع التي أحدثها الناس .
الثاني : هجر العوائق التي تعوقه عن إفراد مطلوبه وطريقه وقطعها الثالث : قطع علائق القلب التي تحول بينه وبين تجريد التعلق بالمطلوب (۱) .
(1) الفوائد (٢٥٩) .