18
أسرار المحبين في رمضان
الوجه الثاني : أن الصيام سرّ بين العبد وربه لا يطلع عليه غيره ؛ لأنه مُركب من نية باطنة ، لا يطلع عليها إلا الله ، وتَرْكُ لتناول الشهوات التي يُسْتَخفى بتناولها في العادة ؛ ولذلك قيل : لا تكتبه الحفظة ، وقيل : إنه ليس فيه رياء ، فإن من ترك ما تدعوه نفسه إليه لله عز وجل حيث لا يطلع عليه غيرُ من أمره . أو نهاه ؛ دل ذلك على صحة إيمانه . والله تعالى يحب من عباده أن يعاملوه سِرا بينهم وبينه، وأهل محبته يحبون أن يعاملوه سِرا بينهم وبينه ، بحيث لا يطلع على معاملتهم إياه سواه ؛
حتى كان بعضهم يود لو تمكن من عبادة لا تشعر بها الملائكة الحفظة . وقال بعضهم لما اطَّلِعَ على بعض سرائره ، إنما كانت تطيب الحياة لما
كانت المعاملة بيني وبينه سرًا ، ثم دعا لنفسه بالموت ، فمات . المحبون يغارون من اطلاع الأغيار على الأسرار التي بينهم وبين من يحبهم
ويحبونه .
"
وقوله : ( ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي »، فيه إشارة إلى المعنى الذي ذكرناه ، وأن الصائم يتقرب إلى الله بترك ما تشتهيه نفسه من الطعام والشراب والنكاح وهذه أعظم شهوات النفس، وفي التقرب بترك هذه الشهوات بالصيام فوائد منها : (أ) كسر النفس ؛ فإن الشَّبَع والرِّي ومباشرة النساء تحمل النفس على الأشر والبطر والغفلة .
(ب) تُخَلِّي القلب للفكر والذكر ؛ فإن تناول هذه الشهوات قد تُقسي القلب
وتُغميه، وتحولُ بين العبد وبين الذكر والفكر ، وتستدعي الغفلة .
وخلو الباطن من الطعام والشراب ينوّر القلب ويوجب رفته ويُزيل قسوته ويخليه للذكر والفكر .