20
۲۰
التفسير الوسيط
. - ( إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( :
من أول السورة إلى هنا ، كان الأسلوب للغيبة ، ثم تغير هنا إلى الخطاب حتى آخر السورة . وفوق ما يفيده تغير الأسلوب من التنبيه إلى موضوع الكلام ، فإن فيه إشارة لطيفة إلى ترقى الحامد كلما أثنى على ربه ، وأخلص فى مناجاته ، فينتقل من مقام الغيبة إلى مقام الحضور ، وذلك حال المصلى الذى يقرأ الفاتحة ، فإنه حين يدخل الصلاة ، يكون قريب عهد بما كان يشغله من الشئون قبل الدخول فيها ، فإذا أقبل على ربه بحمده له ، وثنائه عليه ، تاركا شواغله ، انتقل إلى مقام الإحسان في عبادته ، وهو أن الله كأنه
على ما سنبينه
يعبد
وهذا يقتضي أن ينتقل من الغيبة إلى موقف المخاطب لمولاه ، فيقول :
) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ( .
براه
هذا ، وتقديم ضمير المفعول ( إياكَ ) ، في كل من الجملتين ، للاهتمام ، مع إفادة القصر ، كأنه قيل : إياك يا الله وحدك نعبد ، وإياك يا الله دون سواك نستعين . وفي ذلك
إقرار له تعالى ، بالألوهية والوحدانية
+
هو
وقدمت جملة ( إيَّاكَ نَعْبُدُ ( على جملة : ( إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( ، لأن المقصود الأولى . العبادة ، ولما كان فعل الطاعة وتوفر الدواعى إلى فعلها ، لا يتمان إلا بمعونة الله وتوفيقه ، فلهذا يطلب العبد الاستعانة بالله عقب تخصيصه بالعبادة ، إذ أن العبد لا حول له ولا قوة إلا بالله .
·
والعبادة للمعبود هي الطاعة الخالصة له ، المبنية على حبه ، المؤداة على وجه يشعر بمنتهى الخضوع له ولكون العبادة بهذا المعنى ، فلا تكون إلا الله وحده (۱) ، وهى أخص من الطاعة التي تتحقق في مطلق الامتثال ، فكل عبادة طاعة ، وليس كل طاعة عبادة ، فأنت إذا امتثلت أمر والديك أو ولي أمرك ، يقال لك : أنت أطعتهم ، ولا يصح أن يقال : أنت عبدتهم ، فالعيادة أعلى مقام في الطاعات ، وهى المعراج الروحي الذي يصعد فيه العباد إلى درجة ،
( 1 ) لأنه هو المستحق لأن يعبد دون سواه ، لتفرده بكامل القدرة وعظيم السلطان ، وجميع ألوان الإنعام ، وجميع صفات الألوهية ، فلذا يخصه قارئ الفاتحة بالعبادة فيقول : ( إياك نعبد ) .