← المكتبة ▭▭ صفحتان
التحرير والتنوير - ابن عاشور - ط الدار التونسية 1-15
محمد الطاهر بن عاشور التفاسير
A− A+
27
28 المقدمة الثالثة المقدمة الثالثة في صحة التفسير بغير المأثور ومعنى التفسير بالرأى ونحوه إن قلت أتراك بما عددت من علوم التفسير تثبت أن تفسيرا كثيرا للقرآن لم يستند إلى مأثور عن النبي صل الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ، وتبيح لمن استجمع من تلك العلوم حظا كافيا وذوقا ينفتح له بهما من معانى القرآن ما ينفتح عليه ، أن يفسر من آي القرآن بما لم يؤثر عن هؤلاء ، فيفسر بمعان تقتضيها العلوم التي يستمد منها علم التفسير ، وكيف حال التحذير الواقع في الحديث الذي رواه الترمذي عن ابن عباس أن رسول الله قال « من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ، وفي رواية : من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار » والحديث الذي رواه أبو داود والترمذى والنسائى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ » وكيف محمل ما روى من تحاشى بعض السلف عن التفسير بغير توقيف ؟ فقد روى عن أبي بكر الصديق أنه سئل عن تفسير الأب في قوله « وفاكهة وأبا » فقال : « أى أرض تقلنى ، وأى سماء تظلنى إذا قلت في القرآن برأيي » ويروى عن سعيد بن المسيب والشعبي إحجامهما عن ذلك قلت : أراني كما حسبت أثبت ذلك وأبيحه، وهل اتسعت التفاسير وتفننت مستنبطات معاني القرآن إلا بما رزقه الذين أوتوا العلم من فهم في كتاب الله . وهل يتحقق قول علمائنا . إن القرآن لا تنقضي عجائبه » إلا بإزدياد المعاني باتساع التفسير ؟ ولولا ذلك لكان تفسير القرآن مختصرا في ورقات قليلة . وقد قالت عائشة : «ما كان رسول الله يفسر من كتاب الله إلا آيات معدودات علمه جبريل إياهن » كما تقدم في المقدمة الثانية. ثم لو كان التفسير مقصورا على بيان معانى مفردات القرآن من جهة العربية لكان التفسير نزرا ، ونحن نشاهد كثرة أقوال السلف من الصحابة ، فمن يليهم في تفسير آيات القرآن وما أكثر ذلك الاستنباط برأيهم وعلمهم . قال الغزالي والقرطبي : لا أن يكون كل ما قاله الصحابة في التفسير مسموعا من النبي صلى الله عليه وسلم لوجهين : أحدهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت الله عليه وسلم لم يثبت عنه من التفسير إلا تفسير آيات قليلة وهى ما تقدم عن عائشة . الثاني أنهم اختلفوا في التفسير على وجوه مختلفة لا يمكن الجمع بينها . يصح