← المكتبة ▭▭ صفحتان
الرحلة الشامية - محمد علي باشا - ط المؤسسة العربية
محمد علي باشا البلدان والجغرافيا والرحلات
A− A+
11
13 تحديدا وحسب، إنما كان منافيا لأصول الضيافة العربية العريقة ، فضلا عن الإساءة التقاليد العلاقة الأخوية الحميمة بين سورية ومصر. ويبدو أن والي دمشق كان موظفا انتهازيا متهافتا وجبانا ، فلم يجرؤ على استقبال حفيد محمد علي باشا ، مؤسس نهضة ، مصر ، خوفا من سطوة السلطان العثماني وزبانيته في تلك الفترة، وإن ادعى ، معتذرا عن تقصيره ، أن الزيارة لم تكن رسمية . وربما كانت موالاة المسؤول الدمشقي لتلك السلطنة المتداعية أقوى من مراعاته لعلاقات الأخوة العربية . ومن المواقف النبيلة المتعالية أن الأمير المصري لا يذكر اسم ذلك الوالي ، ولعله لم يجده جديرا بأن يورد اسمه في كتابه حتى يبقى نكرة مهملة لا يسمع به أحد . وكان عزاء الزائر أنه التقى صحافيا دمشقيا جريئا ، ولم يتردد ذلك الصحافي في إبداء استعداده لنشر شكوى ضد الوالي وحكومته ، فكان يعبر بذلك عن مدى استيائه الشخصي ، باعتباره واحدا من أهالي دمشق ، كما يعبر في الوقت ذاته عن الوضع المتردي الذي بلغته الحالة السياسية وهشاشة السلطة العثمانية في بلاد الشام ، وإن كانت الصورة في حلب وبيروت مختلفة تماما . وهذا التناقض العميق في المواقف بين مدينة وأخرى يشكل علامة بارزة من علامات احتضار تلك السلطنة ، وبادرة أكيدة من بوادر انحلال دولتها وتهافت أطرافها واقتراب موعد زوالها 11 إذا تجاوزنا تلك الحادثة الطارئة في سوء التعامل البروتوكولي ، نرى أن الرحلة كانت غنية ناجحة في مناح عدة . والكاتب يوضح أهداف سياحته في سورية بقوله : " ... كان القصد منها أولاً يدور حول ثلاثة أغراض لا يخلو منها جملة مسافر في الغالب ، الأول : تبديل الهواء طلبا للصحة والعافية ، والثاني : مشاهدة معالم المدن الشهيرة في سهول الشام وعلى جبال لبنان ، والثالث : الاطلاع على كرائم الخيل العربية والشامية التي تمتاز بها هذه البلاد منذ العصور القديمة ؛ وقد كان هذا المقصد الأخير من أهم بواعث السفر وأعظم أسبابه ..." لم يصادف الأمير ما كان يرجو من الخيول العربية الأصيلة ، لكنه ترك لنا أثرا أدبيا معبرا بصدق - وإن لم يكن صريحا ومباشرا - عن تلك الفترة الهامة من تاريخ بلاد الشام ، وهي تغلي بالنقمة المكبوتة الكامنة تحت السطح ضد الاستبداد العثماني، وتنتظر اندلاع شرارة الثورة وتعد العدة لها ، ثم جاءت الحرب العالمية