24
۲۰
ومن جهة ثانية أخذنا في التحضر وأخذ ذوقنا يقترب من ذوق الغربيين . وفي هذه الأثناء أو فى هذا الثلث الأخير من القرن التاسع عشر كانت تهاجر إلى مصر صفوة من اللبنانيين والسوريين الذين تخرجوا في مدارس اليسوعيين والبعوث الدينية الأوربية والأمريكية المختلفة ، وكانوا قد ضاقوا
باضطهاد العثمانيين لهم ، وكان منهم من ابتغى رزقاً في بلاد أخرى . على كل لهم، حال كانوا يريدون أن يعيشوا معيشة كريمة ، فيها اعتراف بحريتهم وبحقوقهم الفردية، فهاجروا إلينا ، ووجدوا منا ما ابتغوه من حرية وإخاء ومساواة وعيش
كريم .
.
ولم يلبثوا أن عملوا معنا فى نهضتنا الأدبية ، وكانوا قد سبقونا إلى العناية بالآداب الغربية في عقر ديارهم ، ومرجع ذلك إلى البعثات الدينية التي علمتهم ، فإنها لم تكن تعنى مثل محمد على بنقل العلم إلى سوريا ولبنان ، بل كادت تقصر عنايتها على الحياة الأدبية الغربية، ومن ثم كان اتصال هؤلاء المهاجرين بتلك الآداب أقوى من اتصال المصريين في هذه الحقب من الزمن . فهم. سبقونا إلى الاتصال المنظم بالأدب الغربي ، ولم يهتموا مثلنا أولا بالعلم ، إنما اهتموا به في زمن متأخر وبعد تأسيس الجامعة الأمريكية عندهم . وقد نهضوا بصحافتنا خير نهوض ، وحمل إلينا سليم النقاش وغيره ما عرفوه من فن التمثيل الأوربي ، فدعموا بذلك اتجاهنا نحو الآداب الأوربية
وأخذ هؤلاء المهاجرون والمصريون جميعاً يعملون في حقل غربى جديد ، وأقصد حقل الترجمة ، ولا أريد ترجمة العلم الغربي، فمصر قد سبقت إليه منذ أوائل القرن ، وإنما أريد ترجمة الآداب الأوربية بمعناها الواسع ، فكان محمد عثمان جلال وغيره من المصريين يترجمون لموليير وغير موليير ، وكان نجيب حداد وغيره من هؤلاء المهاجرين يترجمون لكورنى وشكسبير وغيرهما من الغربيين ، وترجم سلمان البستاني الإلياذة لهوميروس مزاوجاً فيها بين البحور العربية ومبقياً على كل سماتها وخصائصها الملحمية .
·
وكثرت حينئذ الترجمة للمسرحيات والقصص الغربية ، حتى بلغت مئات ،